هل تُقيّد الحصانة صلاحيات الرقابة؟

بقلم/ غادة الصيد
تعدُّ الحصانة الجنائية من أكثر المفاهيم القانونية إثارة للجدل لما تثيره من تساؤلات متكررة حول حدودها، ومدى انسجامها مع مبدأ خضوع الجميع للمساءلة، خاصة عندما يتعلق الأمر بجهة رقابية أنشئت أساسًا لحماية المال العام وضمان حس أداء الوظيفة العامة، وفي مقدمتها هيئة الرقابة الإدارية، ويثور التساؤل الجوهري: هل تشكل الحصانة الجنائية قيدًا قانونيًّا يحول دون مباشرة هيئة الرقابة الإدارية لاختصاصها في التحقيق مع من يتمتعون بها؟ فمن حيث الأصل، لم تقر الحصانات الجنائية كامتياز شخصي، وإنما كضمانة وظيفية تهدف إلى حماية شاغلي بعض المناصب من الكيد أو التعسف، بما يمكنهم من أداء مهامهم باستقلال وحياد. غير أن هذه الحصانة وفقًا للقواعد العامة ليست مطلقة ولا أبدية، بل تخضع لحدود وضوابط يحددها القانون، فالحصانة الجنائية لا تعني انتقاء المسؤولية وإنما تعني في الغالب تنظيم إجراءات المساءلة، كاشتراط إذن مسبق من جهة معينة قبل تحريك الدعوى الجنائية، دون أن يمتد ذلك بالضرورة إلى تعطيل سائر صور الرقابة، أو المساءلة الإدارية.
وتتمثل المهمة الأساسية لهيئة الرقابة الإدارية في التحري والكشف عن أوجه القصور والانحراف في أداء الوظيفة العامة والتحقيق في المخالفات الإدارية والمالية، وإحالة ما يشكل تهمة جنائية إلى الجهات القضائية المختصة. وبذلك فإن عمل الهيئة لا يقتصر على الجانب الجنائي، بل يسبق ذلك ويمتد إليه، بوصفه عملًا رقابيًّا وتحقيقيًّا ذا طبيعة إدارية يهدف إلى حماية المصلحة العامة، وليس إلى توقيع العقوبة الجنائية. ولكن هل تمتد الحصانة الجنائية إلى تعطيل التحقيق الإداري؟ التمييز بين التحقيق الجنائي والتحقيق الإداري يظل حاسمًا في هذا المقام.
والحصانة الجنائية، بحسب القواعد المستقرة، تتعلق بإجراءات الملاحقة الجنائية أمام جهات التحقيق والقضاء، ولا تحُول، من حيث المبدأ، دون مباشرة التحقيقات الإدارية أو الرقابية، متى كان القانون المنظم لعمل الجهة الرقابية لا يستثني صراحة فئة معينة. فالحصانة لا ينبغي أن تتحول إلى ستار يحجب الشفافية أو وسيلة للإفلات من المساءلة، بل يجب أن تفهم وتطبق في إطارها الضيق الذي يحقق الغاية منها دون المساس بحق المجتمع في الرقابة والمحاسبة.
وخلاصة القول، إن الحصانة الجنائية لا تنشئ إعفاء من المساءلة، ولا تمتد بطبيعتها إلى تعطيل التحقيق الإداري الذي تباشره هيئة الرقابة الإدارية، مالم يرد نص قانوني صريح بخلاف ذلك، فالحصانة وجدت لحماية الوظيفة العامة لا لحجب الرقابة عنها، ويظل مبدأ خضوع الجميع للمساءلة هو الضمانة الحقيقية لبناء دولة القانون وترسيخ الثقة في مؤسساتها.
