مقالات الرأي

هل غاب صوت المفكر والمثقف العربي في الأمة؟


مخلوف الزرقاني


إن المفكرين في الأمة هم جنود المرحلة الراهنة اليوم، من الذين عايشوا وانشغلوا بقضايا وهموم أمتنا العربية العظيمة، لأنهم فهموا طبيعة ومراحل الصراع، والأطماع الخارجية، والأهداف الاستراتيجية، والمتغيرات الدولية، والسياسات الإمبريالية والصهيونية للقوى الكبرى المعادية بطبيعتها لهذه الأمة الأصيلة، وما اعتراها من نكبات متتالية وحملات عدوانية وغيرها متكررة، تشابكت خيوطها وتعددت أطرافها بأجندات خارجية وأخرى داخلية، كان آخرها (وما زال) المشروع التدميري المسمّى بالربيع العربي.
فلا بد للمفكر والمثقف العربي اليوم، الذي تمرَّس بقضايا النضال العربي، وعاش معاناة هذه الأمة، وتمثَّل بصدق قضاياها، وكان دائمًا معبّرًا عن ضمير الشعب العربي، لا بد له اليوم أن يواجه مسؤوليته في ترسيخ مجرى الفكر العربي الرافض للهزيمة وثقافة الاستكانة والتسليم بالواقع، وتأكيد أصالة هذه الأمة ومعدنها العريق الذي صمد في مواجهة التيارات الوافدة، وحملات التشويه، وأحاديث الإفك والتضليل التي استهدفت (وما زالت) على مر العصور طمسًا وإخمادًا جذوة أصالته ونضاله.
لقد كان للمفكر والمثقف العربي، على كل مراحل التاريخ الحضاري للإنسانية، بمثابة (كتيبة متقدمة تقود وترشد وتنير الطريق) أمام مسيرة هذه الأمة النضالية الإنسانية، وما المفكرون والمثقفون العرب إلا طليعة من طلائع هذه الأمة العربية الخالدة خلود الدهر بإذن الله. هؤلاء الجنود بالكلمة والتبصير، والتوجيه والتنوير، هم المعنيون في هذه المرحلة الراهنة التي تتكالب فيها قوى الشر والعدوان، والظلم والطغيان على أمتنا العربية العظيمة من كل جانب، وبمباركة أنظمتها الرسمية من أولئك الذين على الأرائك يتكئون، وكأنهم خشب مسندة، لا يبصرون ما يُحاك ويُدبَّر بليل لهذه الأمة العربية في منطقة الصراع الدولي بالشرق الأوسط، وكم من ثمن تدفعه هذه الأمة في كل مرة.
فلا تأخير ولا انتظار للمفكر والمثقف العربي اليوم إلا مواجهة قدره ضد التحديات بصدق وشجاعة، التي تعبث بمصير ووجود هذه الأمة العظيمة، وأن يمنح المثقف العربي بلا حدود عطاءه وإسهامه في العمل لإذكاء العقول بخطورة واقعها وموقعها وقدرتها (وهي تملك)، لإسماع صوتها الرافض لسياسات القوى، وأطماع الهيمنة، وكل أشكال محاولات أصنام الرجعية أو دعوات كهوف الظلام.
إن المفكرين والمثقفين معنيون اليوم أكثر من غيرهم في هذه المرحلة، في أن تقع عليهم مسؤولية رفع منسوب الوعي والإدراك للجماهير العربية (وهي واعية)، ورفع معنوياتها باستمرار، وتنويرها بالأخطار المحدقة بها، وأنهم اليوم أمام مسؤولية تاريخية تجاه شعوب الأمة العربية، لتدارس قضاياها وما وصلت إليه الأوضاع، وضرورة تنويرها بالمخاطر المحدقة، وتأكيد ثقافة الرفض الشعبي لكل متناقضات الواقع العبثي، دون أن يخضع صوتهم لمقص الرقيب، أو لحاجز الرقابة، أو فكرهم لتوجيه مسؤول سياسي، بعيدًا عن التحليق في عالم الخيال، أو الخضوع للتأثيرات والأجندات الخارجية، أو المناورات أو المزايدات السياسية.
وها هي الأمة تتعرض لتهديد في وجودها تمامًا، هنا تفرض الضرورة على كل مثقف وطني، وعلى كل المستويات، أن يتحمل إعادة الفكر النهضوي وشرف الكلمة، لليقظة والحركة بحجم خطورة ما تتطلبه المرحلة والمستقبل ربما المجهول، وهي مسؤولية جهادية فكرية تهدف إلى خدمة قضايا الأمة في ربط الحاضر الراهن بالماضي التاريخي التليد، لرسم صورة المستقبل، وكشف التحديات المصيرية لسد الطريق على كل المتسوقين في أسواق التطبيع والمزايدات، للخروج من حالة العبث الدولي بمصير الأمة إلى الوجود العربي الطبيعي الرائد بين الأمم.
إن الحاجة إلى النضال المنظم أصبحت مسؤولية قومية وتاريخية يتحملها المثقفون والمفكرون قبل الحكام، لتخطيط الدرب والتنوير الفكري، والرفض الشعبي أمام الجماهير للسياسات الظالمة لأمن المنطقة، والهيمنة الأجنبية، والسيطرة على ثروات المنطقة العربية، وتفتيتها وتشكيلها من جديد بما يؤمِّن مصلحة الكيان الصهيوني الدخيل.
إن هذا الواجب النضالي المفروض، المنطلق من قاعدة فكرية واحدة، يشكله المفكرون والمثقفون الذين تحتاجهم الأمة كلما اشتد الكرب وحل بها الخطب، لتستنهض همم الأمة الباحثة عن الحل، وهذا كفيل بمواجهة المحنة التي تتعرض لها أمتنا العربية وتجاوزها إلى صنع الحد الوجودي والقومي القادر على استيعاب طموحاتها وفرض إرادتها، وهي قادرة على المواجهة الفكرية والمعركة النضالية، مهما كانت محاولات التضليل والإلغاء، أو طبيعة التحديات، أو القبول بالواقع السلبي، بما آمنت به عقيدةً في نضالها، ومبدأً لسلوكها، وستبقى حاملة رايات النضال والكفاح، والقيام بدورها التاريخي، وتعزيز وجودها، وتحقيق تطلعاتها التي يؤكدها المفكرون والمثقفون في نفوس جماهير هذه الأمة العربية العظيمة، لتغيير واقعها السيئ والثورة عليه قبل الطوفان.

زر الذهاب إلى الأعلى