مقالات الرأي

دينار للدولار.. انهيار جديد يكشف حجم الفشل


بقلم: عثمان الدعيكي


لم يعد تدهور السياسة النقدية في ليبيا مسألة تحليل نظري أو خلاف تقني بين خبراء الاقتصاد، بل تحوَّل إلى واقع ملموس تعكسه الأرقام والمؤشرات اليومية التي يدفع ثمنها المواطن الليبي بشكل مباشر. فخلال اليومين الماضيين، شهد الدينار الليبي انهيارًا جديدًا بعد تخفيض قيمته رسميًّا ليصل سعر صرف الدولار إلى نحو 6.36 دينار، مقارنة بنحو 4.90 دينار قبل سنوات قليلة، أي تراجُع تجاوز 30% في فترة زمنية قصيرة، ضمن مسار طويل من الانخفاضات المتتالية.
هذا التدهور المتواصل يأتي في ظل اقتصاد يعتمد بنسبة تفوق 85% على الإيرادات النفطية، وبما يزيد على 90% على الاستيراد لتغطية الاحتياجات الأساسية من الغذاء والدواء. ومع كل تخفيض لقيمة الدينار، ترتفع فاتورة الاستيراد تلقائيًّا، ما ينعكس مباشرة على الأسعار المحلية. وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن معدلات التضخم في ليبيا تجاوزت 20% في بعض الفترات، بينما قفزت أسعار السلع الغذائية الأساسية بأكثر من 40% خلال السنوات الأخيرة، في بلد لا يتجاوز فيه متوسط الدخل الشهري لغالبية الموظفين 120-150 دولارًا.
تعاني السياسة النقدية في ليبيا من تخبط واضح نتيجة الانقسام المؤسسي وغياب استراتيجية اقتصادية موحدة. فالمصرف المركزي، الذي يفترض أن يكون الحارس الأول للاستقرار النقدي، وجد نفسه عاجزًا عن ضبط السيولة أو التحكم في الكتلة النقدية التي تضاعفت بشكل مقلق، إذ تشير بيانات متداولة إلى أن حجم الإنفاق العام تجاوز 120 مليار دينار سنويًّا في بعض السنوات، دون وجود غطاء إنتاجي حقيقي، ما أدى إلى زيادة الطلب على العملة الصعبة واستنزاف الاحتياطيات الأجنبية.
أما النظام المصرفي، فيُعد أحد أضعف حلقات الاقتصاد الليبي. فعدد المصارف التجارية لا يتجاوز 20 مصرفًا، معظمها يعاني من ضعف رأس المال، وتدني معايير الحوكمة، واعتماد شبه كلي على أذونات الخزانة الحكومية بدل تمويل المشاريع الإنتاجية. ولا تزال أزمة الثقة قائمة، حيث يحتفظ المواطنون بمليارات الدينارات خارج النظام المصرفي، وسط تقديرات تشير إلى أن أكثر من 60% من الكتلة النقدية متداولة خارج البنوك، وهو مؤشر خطير على هشاشة القطاع المصرفي.
ورغم الترويج لاستخدام الدفع الإلكتروني كحل لأزمة السيولة، فإن هذه الخطوة تفتقد البنية التحتية والتقنية والتشريعية المتكاملة، ما جعلها حلًّا جزئيًّا لا يعالج جوهر المشكلة، بل أضاف أعباء جديدة على المواطنين والتجار، خاصة في المناطق التي تفتقر إلى الخدمات الرقمية المستقرة.
إن تخفيض قيمة الدينار، الذي يُبرر غالبًا بتقليص الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية، لم يحقق أهدافه المعلنة. فعلى الرغم من توحيد سعر الصرف في فترات سابقة، عادت السوق السوداء للظهور بقوة، في ظل استمرار الطلب المرتفع على الدولار، وغياب الرقابة الصارمة على الإنفاق العام، ما فتح الباب أمام عمليات فساد ونهب ممنهج قُدِّرت بمليارات الدنانير سنويًّا، دون محاسبة حقيقية.
انعكست هذه الانهيارات النقدية بشكل مباشر على القطاعات الحيوية. ففي قطاع الصحة، تعاني المستشفيات من نقص حاد في الأدوية والمستلزمات، بينما تُنفق الدولة مليارات الدنانير على العلاج بالخارج دون تطوير حقيقي للبنية الصحية المحلية. أما قطاع التعليم، فقد تراجع تصنيفه بشكل مقلق، مع انهيار البنية التحتية، وتأخر المرتبات، وهجرة الكفاءات، في وقت يُفترض فيه أن يكون التعليم ركيزة أي إصلاح اقتصادي مستقبلي.
في المحصلة، تكشف المؤشرات والأرقام أن ما تعانيه ليبيا ليس مجرد أزمة سعر صرف، بل أزمة إدارة وغياب رؤية، حيث تحوَّلت السياسة النقدية إلى أداة لامتصاص الغضب المؤقت بدل أن تكون وسيلة لتحقيق الاستقرار. ومع استمرار هذا النهج، يبقى المواطن الليبي الخاسر الأكبر، في اقتصاد يواصل السقوط الحر، وسط تضخم متزايد، وفقر آخذ في الاتساع، ودولة عاجزة عن حماية عملتها أو مستقبل شعبها.

زر الذهاب إلى الأعلى