مقالات الرأي

التقلبات الترامبية.. أفول الإمبريالية!


مصطفى الزائدي


سياسة الغطرسة والعربدة التي يمارسها ترامب في العلن، وأقواله الاستفزازية للجميع أمام وسائل الإعلام، ليست أمرًا غريبًا، بل هكذا كانت ولا تزال دائمًا سياسة الاستعمار، وإن لم تكن ظاهرة بهذا الشكل القبيح للعيان، ربما لأن وسائل الإعلام في الماضي لم تكن قادرة على رصد ونشر تفاصيل تصرفات الساسة الكبار، التي لم تكن تختلف كثيرًا عما يفعله ترامب، فهو متَّبع وليس مبتدعًا!
أدولف هتلر، لو صدقنا كل ما قيل عنه من أخبار، مع يقيننا أن أكثرها صناعة يهودية وربما دون أساس، فهو لم يختلف عن صاحب هذا الزمان رونالد ترامب، رغم أنه كان يهدد ويفعل، ويجتاح من لا يسير في طوعه بقوة عسكرية ضاربة، حتى إنه في بداية أعوام حكمه شنَّ حروبًا في كل الاتجاهات؛ هاجم تشيكيا لظلم لحق بالأقلية الألمانية وضمَّها للرايخ، واحتل بلجيكا وفرنسا في ساعات، وأرسل طابورًا من الدبابات لتخضع السويد والنرويج وفنلندا والدول الواطئة دون مقاومة، ودمَّر بولندا رأسًا على عقب وضمَّها في أيام معدودات، وأرسل طابورًا طويلًا من الدبابات من فيينا قاصدًا باكو للسيطرة على نفط شمال القوقاز.
وأرسل جيوشًا لمحاصرة موسكو ولينينغراد لسنوات، وفي الوقت نفسه كانت الدبابات الألمانية تخوض أكبر معركة في الصحراء الكبرى في مصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب.
الأكيد أن أفعال ترامب لم تصل إلى أيٍّ من ذلك، وكل ما فعله حتى الآن إطلاق بضع صواريخ بعيدة المدى، وإسقاط قنابل من طائرات B2 على طهران، ومحاولات اغتيال رخيصة لقاسم سليماني ونصر الله وغيرهم من قادة المقاومة، وعملية خطف جبانة للرئيس الفنزويلي المناضل نيكولاس مادورو وزوجته، وسيل من كلمات التهديد والوعيد وخطابات متناقضة؛ حيث يدِّعي من جانب أنه رجل السلام وأنه أوقف ثماني حروب وهمية، ومن جانب آخر كان كل يوم يتوعد أهل غزة وصنعاء بالجحيم. وفعلًا ساهم مباشرة، مع أداته نتنياهو، في صبِّ حمم من النار على أهل غزة الأبرياء، لكنها كانت بردًا وسلامًا، وعززت صبرهم وصمودهم حتى أسقطوا العدوان وهم شامخون على أنقاض مساكنهم. وفي صنعاء اضطر لبلع لسانه والتراجع أمام قوة أنصار الله وصبرهم وقدرتهم على الرد، فرضخ وأوقف عدوانه بعد أن كان يتبجح بأن أنصار الله صاروا من الماضي، وها هم اليوم أقوى مما كانوا عليه.
وفجأة، وبدون مقدمات، ارتفع الضجيج حول إيران وضرورات إسقاط النظام، بعد أن أبلغته المخابرات الأمريكية أنَّها والموساد الصهيوني نجحوا في تدريب وتمويل وتجهيز آلاف العملاء لتفجير تحركات شعبية تتطور إلى حرب أهلية داخلية تسمح للصهاينة وأمريكا بالتدخل العسكري القوي. لكن الإيرانيين كانوا مستعدين لاستيعاب الأحداث وإفشال المشروع التخريبي، فانكسرت المؤامرة في مهدها، وخرج الإيرانيون بالملايين يرفعون الشعار نفسه: «الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل»، فبهت المتآمرون وهُزم الجمع الملعون. وبعد أن كان العالم يحبس أنفاسه وينتظر إعلان ترامب لحظة الصفر ليُقضى على إيران، تراجع بدون مقدمات ولا تبريرات إلى النقيض، وقال إن الإيرانيين وعدوه بأنهم لن يُعدموا المعتقلين الذين قادوا تلك الاحتجاجات!
ترامب هذا، رغم حمقه وغبائه، لم يعدم وسيلة للظهور بمظهر القوي الذي لا يخسر، فحوَّل اتجاه المعركة إلى جزيرة غرينلاند القطبية شبه المهجورة، قليلة السكان، مترامية الأطراف، عديمة الموارد، حيث قد يصطدم مع حلفاء الأمس. وأيًّا كانت النتائج الحربية، فإن ذلك يعني انتهاء حلف شمال الأطلسي، الذي لا يُحسب له في التاريخ إلا العدوان والإجرام، كعدوانه على ليبيا وإيران والبوسنة والهرسك وأفغانستان، ولم يقم على مدى تاريخه بأي عملية لحماية الأمن والسلم الدوليين.
السؤال الذي يتردد بين المراقبين والمحللين: هل انتهى النظام العالمي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية، حيث فُرض سلام المنتصرين في الحرب؟ وهل انتهى ميثاق الأمم المتحدة الذي جاء نتيجة سيطرة الأربع الكبار التي انتصرت في الحرب، وأُضيفت إليها الدولة الخامسة التي أسست نفسها «الصين»؟
ورغم الهدوء النسبي أثناء مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، فإن حروبًا عديدة نشبت بقصد توسيع سيطرة الدول الكبرى وتأمين نفوذها، أهمها حالة عدم الاستقرار الدائم في منطقة الشرق الأوسط بسبب قيام الغرب بزرع الكيان العنصري في فلسطين ودعمه بكل وسائل القوة، وتمكينه من التفوق العسكري والتكنولوجي وامتلاك السلاح النووي ، وكذلك استمرت حالة صراع قوية في أفريقيا بسبب التقسيمات الاستعمارية بين شعوبها، واندلعت حروب كوريا وفيتنام الكبرى، وغزو العراق وأفغانستان وليبيا، وحروب الربيع العربي العبثية في سوريا واليمن.
لقد أربك ترامب بأقواله وأفعاله المحللين والمراقبين والسياسيين، فلم يعد حتى المنجِّمون قادرين على التنبؤ بما سيحدث في العالم، لكن من جانب آخر، دقَّ عشرات المسامير في النظام العالمي الحالي، وأشعل فتيل احتراق الحضارة الغربية، على الأقل في جوانبها المظلمة، وقد تُطوى إلى الأبد مرحلة الإمبراطوريات الغربية الظالمة القائمة على العنصرية بكل معانيها، وربما تُفتح الطريق إلى اضطراب قد يطول على المستوى العالمي.
السؤال المهم: أين نحن من كل ذلك؟ هل سنبقى مجرد متفرجين ينتظرون فوز الفائزين، أم إصابة شيء طائش من هنا أو هناك يجعلهم من الغابرين؟
ألسنا أمة جعلناالله شهداء على الناس وكرَّمنا بحمل رسالته للعالمين، أم أن للسفهاء منا القول الفصل فأرجعونا أسفل سافلين!

زر الذهاب إلى الأعلى