مقالات الرأي

الألسنية العامة بين الفلسفة والمنطق المداخلة الأولى: في اللاهوت25


مهدي امبيرش


إن مقولة (العالم يتقلب ولم يتغير)، مقولة متحققة جدًّا، وهذه المداخلات منذ بدايتها كانت تأكيدًا على أن المفكرين بعامة لم يخرجوا بعد من تلكم المشكلة الكبيرة، التي قلنا إنها أزمة آدم وزوجه، والتي كشفت عن رغبةٍ في الإنسان أن يتملك المطلق، على أن امتلاك المطلق أو بالمصطلح البياني امتلاك المعنى أمر مستحيل؛ لأن الله خلق الإنسان ليكون مستخلفًا في الأرض، ومفهوم الاستخلاف أن تستمر الحياة، وأن يخلف الناس بعضهم بعضًا.
لقد ذكرنا أن الجنة على الأرض، وأن آدم وزوجه أسكنا فيها مؤقتًا، في فترة قد تكون بمثابة الإعداد ليكتشف هذه المحدودية، وليعصى فيقتربا من الشجرة المحرمة ويأكلا من ثمارها، وهذه بداية الأزمة المعرفية، أي جهلهما بالمهمة التي خلقا من أجلها، وأن المحدود لا يكون مطلقًا، وأن الوسيلة المحدودة لا توصل إلى غاية مطلقة، ومن ثم كان الهبوط من الجنة التي في ربوة عالية إلى الأرض المتطامنة، والعراء، وكلاهما رمز الانكشاف والاكتشاف، ولتبقى العودة إلى الجنة الدافع الذي يدفع آدم وبنيه ليس بمفهوم الرجوع الارتكاسي السلفي، بل بالتقدم إلى نقطة البداية في مسار يمكن أن نصفه بالمسار الدائري، فالجنة جُنَّة علينا، أي اختفت وغابت، ومع هذا الغياب جُنَّ المعنى علينا، فصرنا عاجزين عن إدراكه، وكل ما يمكن إدراكه هو المفهوم لا المعنى، والذي تلقى آدم فيه الدرس الأول من الله تعالى، بعد أن علمه الأسماء كلها، أي العلاقة بين الاسم والمسمى، هذه العلاقة هي التي قلنا مرارًا إنها علاقة التضايف، وإن قدرة الإنسان على المعرفة لا تكون إلا في موجود موضوع، حيث لا يكون موضوعًا إلا إذا اتخذ وضعًا وتحيز ضمنه، وبداهة سيكون لذلك حدود تضمنه، لا ضمن ثنائية الشكل والمضمون، فالمضمون هو الذي يفرض شكله، وفي العربية يأتي المضمون على وزن مفعول أي أن قوة مفارقة فرضت عليه أن يصير محدودًا.
إن الإنسان هذا إذا تقدم على الطور البشري الخاضع لقانون الحياة وتفوق على الفيزيائي المادي في بداية خلقه من تراب والتحولات التي تمت على هذه المادة الفيزيائية من التراب إلى الطين إلى صلصال كالفخار إلى حمأ مسنون إلى الطور الأخير في أحسن تقويم، يدرك أن المعنى سيظل غيبيًّا، ويكون بمراعاة البيان العربي فعلًا مضارعًا، والمضارع مضارعةٌ إلى التغير والتحول والصيرورة، يكون الغيب الذي تحقق، وهذا لا يتم إلا من خلال التذكر، ولهذا فإن الذكرى تنفع المؤمنين، أي المؤمنين بالغيب الذي تحقق والذي سوف يتحقق، ويكون الفعل المضارع هو هذا الوعي الذي ينقذنا من المقولة البائسة التي وقع فيها الوضعيون اليوم تلاميذ الوضعيين الطبيعيين الإغريق في آسيا الصغرى بالقطيعة أو الانقطاع في الزمن الذي يتحول لاهوتيًّا إلى ثالوث الماضي والحاضر والمستقبل، ولا يفهم الحاضر ضمن الوعي إلا على أنه من باب التَّصور الذي يثبته المتحقق والانفتاح من خلال قدرة الإنسان على التَّخيل والتَّصور إلى الغيب، ولهذا قلنا إن الغيب هو ما غاب عنك، سواء الذي تحقق أو الذي سوف يتحقق.
هنا يبقى المعنى أو الرغبة في إدراك المطلق مرتبطًا بالفردوس والحنين إلى استعادة الجنَّة وامتلاك المعنى من خلال عين اليقين، لأن الذي نقول إنه رؤية بالعين، أو تذوق باللسان، أو سمع بالأذن، أو لمس باليد أو بالجلد عمومًا ليس سوى صورة مجردة في الذهن، فعندما أقول إنني أراك فلا أرى صورتك في الذهن أو صوتك في الذهن، إن العملية تتم بصورة سريعة جدًّا فعندما أشعر بالألم، فالذي يتم هو انتقال الألم إلى الذهن ثم يعود إلى العضو المتألم، ولهذا قلنا إن الرؤية بالتاء المربوطة ليست الرؤيا بألف الإطلاق، فالأولى تتحدد بموضوع على وجه الموجودية، والموجود ليس الوجود، بل هو دليل الوجود أو بعضه، فالسمع مثلا شرطه إرادة الاستماع، وهو ما قال فيه الحق “ألقى السمع وهو شهيد”، فإلقاء السمع قصديَّة الاستماع، فهناك مخلوقات لها القدرة أن تسمع أكثر منا، وقد تكون لها قدرة الانتباه، ولكنها تختلف عنا في حالة الحضور والوعي، أي حضور المتكلم وحضور المستمع وحضور موضوع الاستماع، مثال ذلك أنَّ هناك فرقًا في قدرات القراءة لهذه المداخلة مثلًا، فهناك من له قدرة على قراءة الرموز الخطية ولا يتعداها، وهناك من يفهم دلالات الألفاظ، وهناك الشاهد، ولكنَّ الأبعد منهم الشهيد أي الحاضر لهذه المداخلة، وربما الأبعد منها جميعا هو من له القدرة أن يذهب أبعد فيكون التلاقح للأفكار والولادات الجديدة، وهذه هي القراءة بسم الله الذي خلق.
نعود إلى البداية لنقول إن قدرتنا على الفهم وإدراكنا لحدودنا ووسعنا أي قدرنا سوف يدفعنا إلى التقدم، وهذا لا يتم إلا بالروح المبدعة، وستكون لنا المداخلة القادمة في الفرق بين أفلاطون وتلميذه أرسطو حول طبيعة هذا الدافع للوصول إلى اليودايمونيا أو الانتيليخيا وأزمة ما يوصف بالسلفية أو الحلولية العدمية عند المتصوفة الذين يقولون بالعرفان أو الغنوص أبعد من المعرفة، أو الذين يقولون ليس في الإمكان أبدع مما كان

زر الذهاب إلى الأعلى