المصالحة بعقلية الصراع

بقلم ناصر سعيد
فقدت المصالحة الوطنية في ليبيا مضمونها ومعناها، ولم تعد مشروعًا جامعًا لإنهاء الصراع وبناء السلم الأهلي، بل تحولت إلى شعار مستهلك تردده النخب السياسية دون إرادة حقيقية أو أفق وطني واضح.
لقد قيل كلُّ شيء تقريبًا عن المصالحة: تعريفها، ضرورتها، شروطها، آلياتها، وأهميتها. كُتبت حولها المبادرات، وصيغت المواثيق، وشُكّلت اللجان، وأُقيمت الندوات والمؤتمرات، وعُقدت الاجتماعات في الداخل والخارج، وخصصت لها ميزانيات ضخمة، وسافرت وفود إلى أديس أبابا وغيرها، ثم عادت محمَّلة بخلافات جديدة حول من يوقِّع ومن يرفض، ومن يمثِّل ومن يُقصى.
ملف كان يُفترض أن يكون أداة للحل، فإذا به يتحول إلى عامل إضافي للتعقيد، وساحة صراع جديدة بين الأطراف السياسية المتنافسة والمتصارعة. ومع مرور الوقت، لم يعد الإشكال في المصالحة ذاتها، بل في من يتولى إدارتها، وكيف تُدار، ولأي غايات سياسية تُستخدم.
لقد بلغ العبث بهذا الملف حدًّا جعلنا اليوم بحاجة إلى “مصالحة” بين الأطراف التي تدَّعي إدارة المصالحة نفسها، بعد أن صار هذا الملف ورقة مساومة، ومنصة نفوذ، وأداة لإعادة تدوير قوى فشلت في إدارة الدولة وأسهمت في تفككها.
ويزداد المشهد قتامة وخطورة مع الحديث عن تكليف شخصيات جدلية، محسوبة على تيارات وتنظيمات كانت طرفًا رئيسيًّا في الأزمة الليبية، للعب دور استشاري أو قيادي في مشروع المصالحة الوطنية. فكيف يمكن لمصالحة حقيقية أن تُبنى بأدوات هي ذاتها جزء من الصراع؟ وكيف يمكن إقناع الليبيين بجدية هذا المسار، بينما يُعاد إنتاج نفس الوجوه، ونفس المنهجيات، ونفس التحالفات الإقليمية والدولية التي ارتبطت بسنوات الانقسام والفوضى؟
إن المصالحة لا يمكن أن تُفرض من أعلى، ولا أن تُدار بعقلية الإقصاء أو الهيمنة، ولا أن تتحول إلى بوابة لعودة تنظيمات أو مشاريع أيديولوجية لفظها الشارع الليبي بعد أن دفع ثمنها دمًا وانقسامًا وخرابًا. المصالحة الحقيقية تقوم على العدالة، والمكاشفة، والمساءلة، وجبر الضرر، واحترام معاناة الضحايا، لا على تبييض الصفحات أو القفز على الجراح المفتوحة.
من هنا، يمكن القول بوضوح إن ملف المصالحة الوطنية، بصيغته الحالية وبالأدوات التي يُدار بها، هو ملف مُعطَّل، بل يكاد يكون ملفًّا مُغلقًا. فقد جرى تسييسه إلى حد الإفراغ الكامل من مضمونه، وتحويله إلى أداة في صراع السلطة، بدل أن يكون مدخلًا للخروج من النفق المظلم الذي أُدخلت فيه البلاد.
إن إعادة إحياء هذا الملف لا تكون بتغيير المسميات أو إضافة مجالس ومفوضيات جديدة، بل بقطيعة حقيقية مع عقلية إدارة الأزمة، وبإرادة وطنية مستقلة، وبإبعاد كل من كان جزءًا من المشكلة عن لعب دور “المنقذ”. دون ذلك، ستظل المصالحة مجرد لافتة مرفوعة فوق واقع من الانقسام، وستبقى ليبيا رهينة حلقة مفرغة من الحوارات العقيمة والمشاريع المؤجلة.
