مقالات الرأي

إلى متى يبقى الليبيون يبحثون عن ميثاق يوحِّد الوطن؟


فرج بوخروبة


تقف ليبيا اليوم أمام لحظة فارقة في تاريخها المعاصر؛ لحظة تتجاوز في أهميتها الحسابات السياسية الضيقة لتلامس جوهر البقاء والاستمرار. فالمشهد الذي نعيشه اليوم، ونحن في مطلع عام 2026، لم يعد يحتمل الترف الفكري أو المناكفات العابرة، بل يستوجب وقفة مكاشفة وطنية صادقة، تضع مصلحة الأرض والإنسان فوق كل اعتبار، وتنظر إلى المستقبل بعيون تجمع ولا تفرق، تبني ولا تهدم.
إن المتأمل في مسيرة العقد ونصف الماضية يدرك أن ليبيا، بكل مكوناتها، قد خاضت مخاضًا عسيرًا، دفع فيه الجميع أثمانًا باهظة من الاستقرار والأمان. واليوم، لم يعد السؤال هو “من المخطئ؟”، بل “كيف ننجو معًا؟”. إن الحالة الراهنة من التشرذم المؤسسي والانقسام الإداري ليست قدرًا محتومًا، بل هي نتاج تراكمات أرهقت كاهل المواطن، وجعلت بلدًا يزخر بالإمكانات والقدرات، وطنًا يبحث عن استعادة توازنه المفقود في خارطة الاستقرار العالمي.
إن أولى خطوات الاسترداد الوطني تبدأ من الإيمان العميق بأن قوة ليبيا في وحدتها؛ فالانقسام بين الشرق والغرب، وتعدد مراكز القرار، لم يؤدِ إلا إلى إضعاف هيبة الدولة وتعطيل مصالح العباد. إننا بحاجة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى صياغة عقد اجتماعي وسياسي جديد، لا يقصي أحدًا ولا يهمش طرفًا، عقدٍ يفضي إلى توحيد المؤسسات السيادية تحت راية وطنية واحدة، عبر مسارات توافقية تضمن المشاركة العادلة للجميع، وتؤسس لشرعية ثابتة تنبع من إرادة الليبيين أنفسهم، بعيدًا عن التدخلات التي لا تزيد الجرح إلا اتساعًا.
وعلى المسار التنموي، تبرز الحاجة الملحة لتحرير الاقتصاد الليبي من قيود الاعتماد الكلي على النفط، الذي ظل لعقود العمود الفقري الوحيد للدولة. إن الصراع على الموارد النفطية لم يورثنا إلا التوتر، بينما تظل الطاقات البديلة، والموقع الجغرافي الاستراتيجي، والمساحات الزراعية الشاسعة، كنوزًا معطلة تنتظر سواعد البناء. إن رؤية ليبيا 2026 يجب أن ترتكز على تنويع مصادر الدخل، وفتح آفاق الاستثمار أمام الشباب والكفاءات الوطنية، وترميم البنية التحتية المتهالكة التي لم تعد تليق بدولة تملك كل مقومات الرفاه. فالاقتصاد ليس مجرد أرقام وميزانيات، بل هو كرامة المواطن التي تتحقق بتوفير فرص العمل الكريم والخدمات الأساسية الراقية من تعليم وصحة وكهرباء.
أما التحدي الأكبر، فيكمن في ترميم الوجدان الوطني. لقد تعرض النسيج الاجتماعي الليبي، المعروف بمتانته وترابطه، لهزات عنيفة أذكت نيران الجهوية والقبلية. واليوم، نحن مدعوون جميعًا، بمختلف انتماءاتنا ومناطقنا، لإعلاء قيمة “المواطنة” فوق أي انتماء فرعي. إن المصالحة الوطنية الشاملة ليست مجرد شعار، بل هي فعل يومي يبدأ من القبول بالآخر، وجبر الضرر، وفتح قنوات الحوار الحقيقي بين القبائل والمدن، انطلاقًا من قاعدة ذهبية مفادها أن ليبيا تسع الجميع، وبالجميع تبنى.
وفي هذا السياق، يبرز دور المثقف والإعلامي والمفكر كحارس للهوية الوطنية. نحن بحاجة إلى خطاب ثقافي جامع، يستلهم من تاريخ ليبيا العريق قيم التسامح والشهامة، خطاب يرفض لغة الكراهية والإقصاء، ويستثمر في التنوع الثقافي والاجتماعي كعامل إثراء وقوة. إن تعزيز الوعي الشعبي بضرورة الاستقرار هو السياج الذي سيحمي أي اتفاق سياسي قادم من الانهيار، وهو الضمانة لعدم تكرار عثرات الماضي.
إن نزيف الهجرة الذي نراه اليوم، ورحيل العقول الشابة إلى الخارج، هو الخسارة الحقيقية التي لا تعوض. هؤلاء الشباب هم الثروة الحقيقية، وتمكينهم ليس ترفًا، بل ضرورة قصوى. إن إعادة الثقة للشباب في دولتهم ومؤسساتهم هي المهمة الأصعب والأهم؛ فبهم تستعيد ليبيا حيويتها، وبسواعدهم تُبنى مدن المستقبل التي نحلم بها، ومن خلالهم فقط يمكننا ردم فجوة التطور التي تزداد يومًا بعد يوم.
إن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق حاسم؛ فإما الاستمرار في دوامة الهدر والانتظار، وإما النهوض بروح واحدة نحو غدٍ أفضل. الطريق ليس سهلًا، لكنه ليس مستحيلًا إذا ما توفرت “الإرادة الوطنية الجامعة”. إن الحل لا يُستورد من الخارج، بل يُصنع في الداخل، في عقول الليبيين وقلوبهم، حين يقررون أن الوطن أغلى من المناصب، وأن الاستقرار أبقى من الخلاف.
لقد حان الوقت لكي تتحول ليبيا من ساحة للتجاذبات إلى نموذج للازدهار في المنطقة. فالتاريخ لا يكتبه المترددون، بل يكتبه أولئك الذين يملكون شجاعة التسامح، وعزيمة البناء، وإخلاص النية للوطن. ليبيا كانت وسوف تظل، بجهود أبنائها المخلصين، وطنًا للسلام والمحبة والرفعة، وميدانًا للتعايش الذي يذيب كل الفوارق لصالح الهوية الليبية الواحدة.

زر الذهاب إلى الأعلى