مقالات الرأي

السؤال الأصعب “أين ليبيا؟”


فرج عيواز


من عرف الحقيقة أدرك الخطر، ولكن ما الحقيقة التي تجعلنا غير مطمئنين، ونشعر بخطر مغلف بالقلق، والذي نحاول إخفاءه حتى لا نحسب على تيار ما، ومن المشككين والمعادين للوطن.
الخوف كلُّ الخوف من أن نفقد الأمل في الإجابة على الهواجس، التي تراود كل الليبيين دون استثناء، وكل من عرف ليبيا وأحبها، ألا وهو “ليبيا إلى أين؟”. ونظل نبحث عن إجابة للسؤال الأصعب وهو ” أين ليبيا؟”.
وهل ستجدي الإجابة نفعًا؟ وما الذي سيجنيه أحفادنا؟ عندما يجدون وطنهم قد ضاع وتلاشى، ولم يعد له ذكر، إلا في كتب التاريخ، وخراريف العجائز.
علينا أن نتعظ من مصائر الأوطان التي ضاعت من الأندلس إلى شعوب الأمريكتين وأستراليا، وصولا إلى فلسطين والاتحاد السوفيتي وغيرها من الشعوب التي ظنت أن الزوال مستحيل.
ولمن يستغرب هذا الطرح، يكفي أن نستحضر ما تناقلته وسائل الإعلام المختلفة، من تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ولايته الثانية، حيث أمر بتهجير سكان غزة، وتحويلها إلى مشروع سياحي أمريكي، دون اكتراث بمصيرهم أو إلى أين يطردون. وفي كواليس السياسة الدولية، تطرح ليبيا بوصفها إحدى الخيارات الممكنة، لتكون وطنًا بديلًا لهم دون أي اعتبار لمصالح الشعب الليبي، مستغلين الأوضاع الهشة من انقسام سياسي وصراع على السلطة والنفوذ. كل ذلك يجري في عالم تدار فيه الأزمات بمنطق القوة، بعيدًا عن القيم الإنسانية والقوانين والأعراف الدولية، وذلك على حساب الشعوب المستضعفة.
ومن يظن أن ليبيا استثناء، فليبيا كل ما فيها مغر، ويستحق المغامرة من أجله، فرغم كل الاستنزاف الذي تتعرض له، فهي ما زالت بكرًا؛ فما في بطنها وما على ظهرها وما في سمائها، ثروات لا تقدر بثمن، بل تمثل ثروات المستقبل، وذلك بعض الظاهر منها وما خفي كان أعظم.
فموقعها الاستراتيجي الذي لعب دورًا مهمًّا لنيل استقلالها في 1951م، فهي همزة الوصل بين المشرق والمغرب العربي، وتمثل عمقًا استراتيجيًّا لكل جيرانها عربًا وأفارقة، وخاصة مصر والجزائر، هذا غير إطلالتها الواسعة على البحر المتوسط فهي أهم البوابات الرئيسة بين أفريقيا وأوروبا. هذا الموقع أكسبها أهمية جيوستراتيجية، بمعنى أنها محل اهتمام من القوى الخارجية، الإقليمية والدولية على حد سواء.
فجوارها لمصر وقربها من قناة السويس، وواجهتها البحرية الممتدة على جنوب أوروبا، وحدودها مع دول الصحراء الكبرى، كل هذا أكسبها أهمية عسكرية وسياسية واقتصادية بالغة الأهمية، وإذا ما تم توظيف هذه الخصائص توظيفًا مثاليًّا، سننقذ بلادنا من الأخطار التي تهدد سلامة أراضيها ووحدة شعبها، ونصل إلى بر الأمان، وننال المكانة التي تليق بنا بين الأمم.
ومن المهم الإشارة إلى دراسة بعنوان “ليبيا: موقعها الاستراتيجي وصراع القوى الكبرى خلال أربعينيات القرآن الماضي” للأستاذ علي عبدالسلام عبدالله سحلب، نشرت في مجلة العلوم الإنسانية جامعة سبها، وعلى الشبكة العالمية للمعلومات الإنترنت بتاريخ يناير 2017، وناقشت هذه الورقة مرحلة مهمة من تاريخ ليبيا السياسي خلال أربعينيات القرن الماضي، وكيف انتقلت من مستعمرة إيطالية إلى دولة مستقلة ذات سيادة، بفضل تضارب مصالح الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، واختلافهم الشديد على كيفية اقتسام المستعمرة الإيطالية ليبيا، إذ تمثل موقعًا استراتيجيًّا لكل القوى الإقليمية والدولية.
وهناك مجموعة من الدراسات من ضمنها الدراسة المشار إليها، قد حددت عدة نقاط رئيسة، التي استطاع بها الشعب الليبي انتزاع استقلاله وأبرز هذه النقاط الآتي:

1. تضارب المصالح الاستراتيجية للدول الكبرى، ما أفشل أي توافق بينها.

2. كل من بريطانيا وأمريكا رأتا أن الوصاية على ليبيا تحت مظلة الأمم المتحدة، لا تحقق طموحاتهما، الاستراتيجية العسكرية والاقتصادية في الشرق الأوسط، ولذلك سعتا إلى أن تكون ليبيا دولة موحدة مستقلة ذات سيادة، لأن هذا يعطي الحرية المطلقة لسلطات الدولة في التعامل معهم.

3. تغليب المصالح الوطنية على المصالح الجهوية للوفود الليبية، التي سافرت إلى أمريكا لعرض قضيتها في الأمم المتحدة، وقد تم ذلك بتشجيع ودعم من عدة ممثلين لدول عربية وإسلامية، ما وحد الصف والكلمة في الجمعية العامة للأمم المتعدة.

4. الدور الإيجابي للنخب الثقافية والقيادات الشعبية، في تحريض الشارع على التظاهر والعصيان المدني تعبيرًا عن رفضه لمشروع الوصاية والمطالبة بالاستقلال التام.

5. التظاهرات التي شهدتها العديد من الدول العربية والإسلامية دعمًا لحق الشعب الليبي في الاستقلال ورفض مشروع الوصاية.


وفي الختام ما أشبه اليوم بالأمس، وإن كان الفارق شاسعًا بينهما، فما لدينا اليوم لم يكن موجودًا لأجدادنا، فبلادنا عضو في هيئة الأمم المتحدة والجمعية العمومية وفي الهيئات والمنظمات الدولية، لها حدود معترف بها وسلطة تشريعية، ولدينا سفارات وممثلون دبلوماسيون ومصرف مركزي وعملة وطنية، ومؤسسات دولة، كالتعليم والصحة، والأهم من ذلك هو وجود جيش ليبي وطني، كل هذه الإمكانيات كانت حلمًا بالنسبة إلى أجدادنا، ومع ذلك استطاعوا أن يحققوا المستحيل بالصبر والحنكة وتوحيد الأهداف.
وإذا كان الإيمان بالله هو العروة الوثقى التي لا تنفصم عراها، فإن الاعتماد على الشارع والنخب الثقافية والمجتمعية، وتوظيف ما لدينا من إمكانيات مختلفة، واستغلال تضارب مصالح الدول الإقليمية والدولية على أرضنا، لإعادة بناء دولتنا وتحقيق أهدافنا وطموحاتنا في وطن موحد مستقل ذي سيادة، هو عين الحكمة ونجاعة الرأي، وفق استراتيجية ورؤى واضحة المعالم للجميع، حتى لا يطاردنا السؤال الأصعب أين ليبيا؟

زر الذهاب إلى الأعلى