مقالات الرأي

الدرس الفلسفي في ليبيا: بين الاجترار والممارسة الفعلية


فوزية مراد


تعيش الفلسفة في ليبيا اليوم أزمة بنيوية، على غرار التخصصات المعرفية الأخرى، هذا الوضع المأزوم حصرها في فضاء ضيق، فقوبلت بالرفض، ووجهت لها خطابات الاعتراض ومقولات التقزيم؛ بحجة أن دورها لا يتوافق والسياقات الثقافية والحضارية الراهنة، مما ترتب عليه تلاشي وفقدان فاعليتها في إحداث التغيير في بنى المجتمع بأبعاده السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية.
وما يزيد الوضع تعقيدًا طرائق تدريسها وما تواجهها من ازدواجية في الأداء؛ إذ تجمع بين دورها كممارسة لها خصوصيتها، وبين غاياتها التي تهدف إلى تكوين إنسان فاعل يمتلك قدرات التحليل والاستنباط والتركيب والنقد والإبداع؛ إنسان ينتهج المنطق في تفكيره، فاعل بأفكاره غير منفعل، وبين واقعها الحضوري وما يتسم به من اجترار لتأريخ الفلسفة وأقوال الفلاسفة، وغياب تام لاستراتيجيات هذا التدريس وخصوصياته، والسؤال هنا: هل من المفترض أمام كل هذا التطور الهائل أن يتم الوقوف على مضامين وخصوصيات هذا الدرس ليكون ملائمًا والواقع المعاش بكل تقلباته وأنماطه المأزومة؟ وهل نطمح من وراء تدريس الفلسفة في مؤسساتنا التعليمية خلق إنسان متفلسف ومبدع قادر على النقد والتحليل والتفاعل مع التغيير الحاصل وفقًا للصيرورة المجتمعية المتسارعة في العلوم والفنون المختلفة؛ أم أننا نريد إنسانًا يجتر الأفكار وأقوال الفلاسفة ولا يهتم بالتغيير، يقبع في برج عاجي لا يربط أفكاره بالمجتمع ولا يستحدث رؤى وأفكارًا جديدة، ولا يتعدى دوره حدود القراءة لما كُتب؟
عند دراسة مضامين الدرس الفلسفي واستعراض أساليبه وطرائق تدريسه من خلال المنهج المعتمد في مؤسساتنا التعليمية، يتضح لنا وبشكلٍ جلي أن هناك أزمة حقيقية؛ حتى أنه يصعب علينا وصفها بأنه تجربة فلسفية ناضجة ومكتملة؛ قد تكون أحكامنا مجحفة في تشخيصنا للأزمة بهذا الشكل إلا أنها حقيقية وذات صبغة وجودية؛ فالمنهج الموجود في مؤسساتنا التعليمية يعتمد بالدرجة الأولى على نقل المعارف وبثها في ذاكرة الطلاب وأذهانهم دون السماح لهم بعقلنتها أو نقدها وإنما تقبلها كما هي، وهنا يغيب الشرط الضروري والأساسي للتفلسف؛ وبالتالي فـــالتدريس بهذه الطريقة لا يمكن أن يكوِّن شخصيات مؤهلة قادرة على الإنتاج والإبداع ومواجهة العالم الخارجي المتغير بفعل التكنولوجيا وما أحدثته العولمة، يقول عبدالرحمن بدوي عن الدرس الفلسفي النموذجي: “يجب عند تعليم الفلسفة، ألا يقدم إلى الطالب نظام فلسفي وضع بالفعل من قبل يتعين عليه إقراره، أو معارف محددة يجب عليه حفظها عن ظهر قلب، أو قاعدة للسلوك الأخلاقي يجب اتباعها في الحياة كما هي الحالة في العلوم التي تتكون بتراكم المعرفة كالرياضيات، والفيزياء، والكيمياء.. إلخ، أو في مجال الدين، لكن يجب تعليمه كيف يفكر بنفسه تفكيرًا حرًّا دون التأثر بأية عقيدة فلسفية”.
جملة القول: إن ما يشكل الأزمة الحقيقية لتدريس الفلسفة بمؤسساتنا التعليمية اليوم هو وجود فجوة كبيرة بين ما يطرح من أفكار ورؤى، وبين ما يطبق منها على الواقع الراهن، أضف إلى ذلك أن المعارف الفلسفية المنقولة للطلاب تعتمد على اجترار تأريخ الفلسفة دون العمل على تنمية مهارات التفكير الناقد والإبداعي وإعمال العقل للمساهمة في تغيير وتطوير بنى المجتمع، وكما يقول كانط «تجرأ على استعمال عقلك»، أي إن عوامل نجاح الدرس الفلسفي وتحقيق أهدافه تكمن في تحويله من مجرد إطاره النظري إلى إطاره التطبيقي العملي؛ وهذا ما يجعل الطالب يستثمر أفكاره من خلال التفاعل المباشر مع ما يطرح من آراء ونظريات وأفكار، ومحاولة مماهاتها مع الواقع الليبي الراهن وفق أبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، أو رفضها ونقدها أو تعديلها لتتناسب والوضع الراهن.

زر الذهاب إلى الأعلى