مقالات الرأي

ترامب وزمن الجرائم المفتوحة


بقلم: عبد الله ميلاد المقري


يتسم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالنزعة الاستعلائية في الإجرام السياسي، بعدما أصدر أوامره للجيش الأمريكي وأجهزة المخابرات الأمريكية بغزو فنزويلا وخطف رئيسها، في سلوكٍ استفزازي وإجرامي يتجاوز كل الأعراف والقوانين، بما فيها القوانين الفيدرالية الأمريكية والقانون الدولي، الذي يجرِّم القبض أو الخطف لأي إنسان، ولا سيما إذا كان رئيس دولة ذات سيادة. فالقانون الدولي يجرِّم هذه السلوكيات الإرهابية ويمنعها، بل ويُرتِّب عليها عقوبات قد تصل إلى السجن وربما أشد من ذلك.
كما أن هذه الأفعال تعكس حالة من غرور القوة التي تتحكم في سلوك ترامب، وما قامت به إدارته يرقى إلى أعلى مستويات الجرائم التي يرفضها القانون الدولي. ويمثل هذا السلوك عدوانًا مباشرًا على دولة ترفض الانصياع له، بعد أن منعت الشركات الأمريكية من استغلال النفط والمعادن الفنزويلية، وهو ما يُعدُّ شكلًا من أشكال الاحتلال لثروات دولة ذات سيادة.
وآخر تصريحات ترامب، التي هدد فيها نائبة الرئيس الفنزويلي بمصيرٍ أسوأ من مصير رئيسها، تعكس تجرده الكامل من احترام القوانين الدولية التي أُسست لمنع تقويض العدالة الدولية أو العبث بها، وهو ما يعرِّض السلم العالمي للخطر، خاصة في ظل غطرسة دولة ورئيس يهددان منظومة العدالة الدولية برمتها.
وعند العودة إلى سياسات الولايات المتحدة الأمريكية ونهجها العدواني، وملفها السري في تغيير أنظمة الحكم حول العالم والاعتداء على دول قائمة على الخريطة السياسية، يتضح أن هذه العمليات كانت تُنفَّذ سابقًا تحت غطاء سري، وأحيانًا كانت تفشل، إلا أن ترامب، وقد أصابه الغرور، بات يعلن عنها رسميًّا، ويرسل رسائل تهديد تسبق تنفيذها، كما حدث في فنزويلا بمحاولة خطف الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته، في عملية حربية استخباراتية مدعومة بإغراء مالي يصل إلى 50 مليون دولار.
وقد تحولت هذه العملية، المدانة دوليًّا، إلى قضية رأي عام، حيث برزت أصوات داخل الولايات المتحدة نفسها تُدين هذا السلوك وتعتبره مخالفًا للقانون الفيدرالي الأمريكي والقانون الدولي. ولم يكتفِ ترامب بمحاولة الخطف، بل وجَّه تهديدًا مباشرًا إلى السيدة نائبة الرئيس الفنزويلي، متوعدًا إياها بإجراءات أشد مما طُبّق بحق رئيسها.
وخلال التحضير لهذه العملية الإجرامية، أرسل أيضًا تهديدات إلى كولومبيا ورئيسها، مذكِّرًا إياه بالاسم بأنه ضمن قائمة من سيأتي الدور عليهم. ولا ننسى أن في سجل الولايات المتحدة تاريخًا طويلًا وحافلًا بعمليات التدخل في شؤون الدول، بالتعاون مع بريطانيا في عملية استخباراتية معروفة عام 1953 في إيران، تمثلت في إسقاط رئيس الوزراء المنتخب محمد مصدق ردًّا على قراره تأميم النفط، وهو ما أدى إلى إعادة الشاه إلى السلطة. وتكرر هذا النمط في غواتيمالا عام 1954، حيث أعادت الولايات المتحدة الكرة بالإطاحة بالرئيس المنتخب جاكوبو أربينز لصالح شركة أمريكية.
وتواصل النهج نفسه في فيتنام الجنوبية عام 1963، حين دعمت انقلابًا عسكريًّا تحوَّل إلى عملية اغتيال للرئيس نغو دينه ديم. كما شهدت البرازيل عام 1964 تدخلًا مماثلًا عبر دعم انقلاب عسكري ضد الرئيس المنتخب جواو غولارت. وبالمنهج نفسه، تدخلت الولايات المتحدة في إندونيسيا بين عامي 1965 و1967، ما أدى إلى الإطاحة بالرئيس سوكارنو. وفي تشيلي عام 1973، أُطيح بالرئيس المنتخب سلفادور أليندي بسبب سياساته الاشتراكية. كما تورطت الولايات المتحدة في الكونغو عام 1960 في اغتيال رئيس الوزراء باتريس لومومبا. وفي عام 2003، وقع الغزو الأمريكي للعراق، الذي أُطيح خلاله بنظام الرئيس صدام حسين، والذي أُعدم لاحقًا عام 2006.
أما في ليبيا عام 2011، فكان نصيبها من السياسات الأمريكية العدوانية حملة عسكرية شرسة انتهت باحتلال فعلي للبلاد من قبل دول الناتو، وتغيير النظام السياسي الوطني، وخطف القائد معمر القذافي واغتياله في عملية إرهابية مجرَّمة. وهو الأمر الذي لا تزال ليبيا حتى اليوم تعاني عواقب خطيرة له، تمثلت في إنتاج سلطة فاشلة عاجزة عن إدارة الدولة، التي يُطلق عليها، مع الأسف، دولة فاسدة سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا، فيما تستمر آثار هذا العدوان دون حل وطني حقيقي لأهم القضايا السياسية التي تحولت إلى شكل من أشكال الانقسام والفساد والتقاتل بين ميليشيات مسلحة.

زر الذهاب إلى الأعلى