مقالات الرأي

رسالة كاراكاس.. وعواصم ممكنة


بقلم / عفاف الفرجاني


في ما بدا هجومًا سياسيًّا وعسكريًّا خاطفًا على رئيس دولة فنزويلا، ذات السيادة، ومؤشرًا خطيرًا على عودة منطق الهيمنة الصلبة في إدارة النظام الدولي، لم يكن هذا الحدث معزولًا أو محصورًا في جغرافيا أمريكا اللاتينية، بل حمل رسائل تتجاوز المكان لتطال دولًا وأفكارًا وخيارات سياسية واقتصادية قررت الخروج عن المظلة التقليدية للنفوذ الغربي.
إن استهداف فنزويلا، بما تمتلكه من احتياطات نفطية هائلة، يندرج في سياق إعادة ضبط خريطة الطاقة العالمية تحت الإشراف الأمريكي المباشر. فالتحكم في موارد الطاقة لا يعني فقط التحكم في الأسعار، بل في مسارات القرار السياسي للدول المنتجة، وفي هوامش حركتها الدولية. ومن هنا يصبح الضغط أو التدخل وسيلة لإعادة الدول التي تحاول الاستقلال بقرارها الاقتصادي إلى دائرة الانضباط القسري.
وقد تحول رئيس فنزويلا في هذا السياق إلى نموذج تحذيري لكل من يجرؤ على تحدي الهيمنة الأمريكية أو محاولة إعادة تعريف علاقاته الدولية خارج المنظومة المفروضة. الرسالة لم تكن موجهة إلى شخصه، بل إلى كل قائد يفكر في تغيير قواعد اللعبة أو كسر احتكار القرار الاقتصادي والسياسي. ما جرى يؤكد أن الخروج عن الخط المرسوم لا يزال مكلفًا في نظام دولي تحكمه موازين قوة قاسية لا تعترف بالحياد ولا تتسامح مع محاولات الاستقلال الحقيقي.
هذا المنطق لا يتوقف عند فنزويلا. فدول الساحل الأفريقي، وخصوصا مالي والنيجر وبوركينا فاسو، تشكل بدورها بؤرة قلق لواشنطن. المنطقة تزخر بموارد استراتيجية من اليورانيوم والذهب والمعادن النادرة، وتشهد في الوقت نفسه تحولًا سياسيًّا يبتعد عن النفوذ الغربي ويتقارب مع روسيا والصين. هذا التلاقي بين السيادة على الموارد وتعدد الشراكات الدولية هو ما يضع هذه الدول في مرمى الضغوط المتصاعدة.
وفي هذا السياق، يبرز صعود نجم رئيس بوركينا فاسو إبراهيم تراوري بوصفه حالة مقلقة للولايات المتحدة. فالرجل لم يكتف بخطاب سيادي تقليدي، بل صعَّد لهجته في خطابات جماهيرية متلفزة، داعيًا صراحة إلى التخلي عن الهيمنة الأمريكية التي كبَّلت أفريقيا لما يقارب خمسين عامًا، ومطالبًا بالمضي قدمًا في شراكات بديلة مع الصين وروسيا. هذا الخطاب، المستند إلى ذاكرة استعمارية ثقيلة، يعيد طرح سؤال جوهري حول من يملك حق التحكم في موارد أفريقيا ومستقبلها، ويحوِّل القادة الجدد في الساحل إلى رموز لتحدٍّ يتجاوز حدود بلدانهم.
نيجيريا تمثل حالة خاصة في هذا المشهد المتشابك. فهي أكبر اقتصاد في غرب أفريقيا، وتعتمد بشكل كبير على عائدات النفط. أي إعادة إدماج قوي للنفط الفنزويلي في السوق العالمية تحت إدارة أمريكية سيؤدي إلى فائض في العرض، ما يضغط على الأسعار ويقوِّض استقرار دول تعتمد على النفط في موازناتها. هنا لا يصبح الخطر عسكريًّا فقط، بل اقتصاديًّا وماليًّا، مع ما يحمله من تداعيات اجتماعية وسياسية عميقة.
الهيمنة الأمريكية في هذا المشهد لا تعمل بمنطق العقاب المباشر فقط، بل بمنطق الرسائل بعيدة المدى. الرسالة واضحة لكلِّ من يفكر في فك الارتباط بنظام الدولار أو إعادة توجيه موارده خارج المنظومة الغربية. الموارد السيادية، حين تدار باستقلال، تتحول في هذا النظام إلى عبء على أصحابها لا إلى مصدر قوة.
في أفريقيا كما في أمريكا اللاتينية، لا يتم تقييم الأنظمة بقدر ما يتم تقييم درجة انضباطها في ضمان تدفق الموارد واستقرار العقود. وحين تختل هذه المعادلة، يبدأ التدقيق، ثم الضغط، ثم التدخل بأشكاله المختلفة. ما يجري اليوم يؤكد أن الصراع الحقيقي ليس على الديمقراطية ولا على حقوق الإنسان، بل على من يملك مفتاح الموارد ومن يحدد وجهتها في عالم لا يزال تحكمه الهيمنة قبل القيم.

زر الذهاب إلى الأعلى