التحولات الكبرى في النظام العالمي وانعكاساتها العميقة على القضية الفلسطينية

محمد علوش
لم يعد العالم الذي نعيش فيه اليوم هو ذاته الذي تشكلت في ظله معادلات ما بعد الحرب الباردة، ولا ذاك الذي صيغت على أساسه تسويات هشة كتبت للقضية الفلسطينية أن تبقى أسيرة لها لعقود طويلة، ونحن أمام مرحلة تاريخية جديدة، تتفكك فيها ركائز النظام الدولي القديم، وتتصارع فيها القوى الكبرى على النفوذ والثروة والمعنى، في ظل أزمات بنيوية تطال الاقتصاد والسياسة والقيم معًا، وفي قلب هذا المخاض العالمي، تبرز القضية الفلسطينية من جديد، لا كقضية وطنية أو إقليمية فحسب، بل كاختبار أخلاقي وسياسي لطبيعة العالم الذي يتشكل.
أحد أبرز ملامح التحول الراهن هو التراجع النسبي للهيمنة الأحادية القطبية، وصعود عالم متعدد الأقطاب، تتقاسم فيه القوى الدولية مراكز التأثير، ورغم أن هذا التحول لا يعني بالضرورة انتصار العدالة أو القانون الدولي، فإنه يكسر احتكار القرار العالمي، ويفتح فجوات يمكن لقوى التحرر الوطني أن تنفذ منها، غير أن الخطورة تكمن في وهم التعويل التلقائي على هذا التحول، إذ إن تعدد الأقطاب لا يلغي منطق المصالح، بل يعيد إنتاجه بأدوات مختلفة، ما يستدعي قراءة فلسطينية واعية، لا تنجر وراء رهانات خارجية معزولة عن الفعل الذاتي.
بالتوازي مع ذلك، يشهد الغرب صعودًا مقلقًا لليمين الشعبوي والفاشية الجديدة، التي تعيد إحياء خطاب التفوق العرقي والقومي، وتمنح الكيان الصهيوني غطاءً سياسيًّا وأخلاقيًّا غير مسبوق، وفي هذا السياق، تسقط الأقنعة عن شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان، التي تتحول إلى أدوات انتقائية تستخدم ضد الخصوم، وتعطَّل حين يتعلق الأمر بجرائم الاحتلال الإسرائيلي بحق الشعب الفلسطيني، وهذا التناقض الصارخ لا يفضح فقط ازدواجية المعايير، بل يكشف الطبيعة البنيوية للعلاقة بين الاستعمار القديم والاستعمار الاستيطاني الحديث.
في المقابل أيضًا، تفرض الثورة الرقمية والإعلامية واقعًا جديدًا على الصراع، فاحتكار الرواية لم يعدْ ممكنًا كما في السابق، والصورة الفلسطينية باتت تخترق الجدران السياسية والإعلامية التي شيِّدت لعقود لحماية الرواية الصهيونية، ولقد أسهمت وسائل التواصل والمنصات البديلة في خلق وعي عالمي متنامٍ، خاصة بين الأجيال الشابة، يرى في فلسطين قضية عدالة وحرية، لا مجرد نزاع حدودي، وهذه المساحة الواعدة تفرض على الفلسطينيين مسؤولية تحويل هذا التعاطف إلى فعل سياسي منظم، قادر على الضغط والتأثير، لا الاكتفاء بردود الفعل.
اقتصاديًّا، يعيش العالم أزمات متلاحقة تعمِّق التفاوت الطبقي وتفجِّر أسئلة العدالة الاجتماعية، من الأزمات المالية إلى الحروب التجارية واضطراب سلاسل الإمداد، ويتكشف عجز النموذج النيوليبرالي عن تحقيق الاستقرار والكرامة للإنسان، وهنا، تكتسب القضية الفلسطينية بعدًا إضافيًّا، بوصفها قضية شعب خاضع لمنظومة استعمارية عنصرية، تتقاطع في جوهرها مع نضالات الشعوب ضد الاستغلال والتهميش، وإن إعادة ربط فلسطين بالسياق العالمي للعدالة الاجتماعية والتحرر الإنساني باتت ضرورة سياسية وفكرية.
وعلى المستوى العربي، لا يمكن تجاهل التحولات السلبية التي أضعفت المكانة الرسمية للقضية الفلسطينية، في ظل التفكك الداخلي، والصراعات البينية، ومسارات التطبيع، إلا أن هذا التراجع الرسمي لم ينجح في اقتلاع فلسطين من وجدان الشعوب، التي ما زالت ترى فيها قضية مركزية، ورمزًا للكرامة المهدورة، وهذا التناقض بين الموقفين الرسمي والشعبي يفتح مجالًا ملموسًا لإعادة بناء خطاب فلسطيني يخاطب الشعوب مباشرة، ويتجاوز الرهانات الضيقة على الأنظمة.
إن تأثير التحولات الكبرى على القضية الفلسطينية لا يقاس بحجمها الموضوعي فحسب، بل بقدرتنا على التفاعل معها بوعي ومسؤولية، فالعالم المتغير لا ينتظر المترددين، ولا يكافئ المنقسمين، ووحدها وحدة الإرادة الوطنية، وصياغة استراتيجية شاملة تجمع بين النضال بأشكاله المختلفة، والعمل السياسي المنظم، والانفتاح على قوى التقدم في العالم، قادرة على تحويل هذه التحولات من تحديات ضاغطة إلى فرص تاريخية.
في زمن التحولات الكبرى، تصبح فلسطين مطالبة بأن تعيد تقديم نفسها للعالم، لا كضحية صامتة، بل كقضية تحرر إنساني حيَّة، تعكس جوهر الصراع بين الاستعمار والحرية، وبين القهر وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
