مقالات الرأي

المواطن بين مطرقة التسعيرة وسندان الجشع


بقلم/ محسن بن طاهر


مع اقتراب شهر رمضان الكريم تتجدد في نفوس الناس مشاعر الشوق والسكينة، ويتهيأ المجتمع روحيًّا ووجدانيًّا لاستقبال شهر العبادة والرحمة، غير أن هذا الاستعداد بات في السنوات الأخيرة مشوبًا بقلق ثقيل يفرضه غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار وتضارب القرارات بين الدولة والتجار، ليجد المواطن نفسه واقفًا في منتصف الطريق حائرًا بين مطرقة التسعيرة الرسمية وسندان جشع السوق.
الدولة تعلن بين حين وآخر عن اتخاذ إجراءات لتحديد الأسعار وضبط السوق، وتفرض تسعيرة يفترض أنها تراعي دخل المواطن وتحقق الحد الأدنى من العدالة، غير أن هذه القرارات غالبًا ما تصطدم بواقع مختلف، حيث يعمد كثير من التجار إلى الالتفاف عليها إما برفع الأسعار بطرق غير مباشرة أو بتقليص المعروض أو بتبرير الزيادة بتكاليف النقل والدولار والضرائب لتفرغ الحلول من مضمونها ويبقى المواطن هو الخاسر الأول.
في هذا المشهد المعقد لا يملك المواطن سوى راتب محدود أو دخل غير مستقر يواجه به متطلبات أسرة واحتياجات شهر رمضان الذي يفترض أن يكون شهر تيسير لا شهر إثقال، فالمائدة الرمضانية التي كانت في السابق عنوانًا للتكافل والبساطة أصبحت اليوم عبئًا ماليًّا يرهق الأسر ويضعها أمام معادلة قاسية، إما الالتزام بعادات اجتماعية راسخة أو الحفاظ على توازن الميزانية بالكاد.
رمضان ليس موسمًا للإسراف بقدر ما هو شهر عبادة وصلة رحم، غير أن الواقع الاجتماعي يفرض على الناس التزامات متوارثة من عزائم وزيارات وتجهيزات خاصة تجعل المواطن في صراع داخلي بين رغبته في إحياء الطقوس الدينية والاجتماعية وبين قدرته المحدودة على مجاراة الأسعار الملتهبة، هذا الصراع لا يظهر في الإعلانات ولا في البيانات الرسمية، بل يسكن البيوت ويظهر في حسابات الأمهات وهموم الآباء.
المواطن اليوم لا يعارض تدخل الدولة في ضبط السوق، بل يطالب به ويعول عليه، لكنه في المقابل يريد رقابة حقيقية وتنفيذًا فعليًّا لا قرارات على الورق ولا حملات موسمية تنتهي بانتهاء التصوير الإعلامي، كما أنه يدرك أن التاجر ليس عدوًّا بالفطرة، لكن الجشع حين يغيب الضمير يحول السوق إلى ساحة صراع غير متكافئ.
ما بين مطرقة التسعيرة التي لا تطبق وسندان السوق الذي لا يرحم يقف المواطن مثقلًا بالهموم يسأل نفسه كيف يستقبل رمضان بطمأنينة، وكيف يوفر قوت يومه دون أن يفرغ جيبه أو يرهق نفسه بالديون، وكيف يهيئ أجواء العبادة لأبنائه في ظل قلق دائم على المصروف والغد.
إن كرامة شهر رمضان لا تكتمل بالزينة ولا بالموائد العامرة، بل بتوفير الحد الأدنى من العيش الكريم وبإحساس المواطن بأن الدولة حاضرة بسلطتها الإجرائية، وبأن السوق منضبط بقيمٍ قبل القوانين، فحين يستقر السعر يهدأ القلب، وحين يطمئن المواطن على قوته يفرغ لعبادته وتعود لرمضان نكهته الحقيقية.
يبقى الأمل معلقًا على وعي جماعي تشارك فيه الدولة برقابة صارمة، ويشارك فيه التاجر بأخلاق المهنة، ويشارك فيه المواطن بثقافة الاستهلاك الرشيد، حتى لا يتحول شهر الرحمة إلى موسم قلق، وحتى لا يبقى المواطن أسير المطرقة والسندان وهو فقط يريد أن يصوم ويصلي ويعيش هذا الشهر الكريم بسلام.

زر الذهاب إلى الأعلى