أنظار نحو المهيكل!!

بقلم د. مصطفى الزائدي
انطلقت اجتماعات لجنة الحوار المهيكل نهاية الشهر الماضي، وستستمر – حسب المعلن – لمدة ستة أشهر، وهي تجري بالآلية نفسها التي سارت عليها لجان الحوارات السابقة، حيث ينقسم الحوار إلى عدة مسارات تتعلق بالسياسة والاقتصاد والأمن والمصالحة الوطنية.
وطيلة العقد الماضي جرت كل الحوارات تقريبًا بهذا النسق نفسه وبالمسميات ذاتها، والمثير للانتباه أن عددًا كبيرًا من المشاركين في الحوار المهيكل شاركوا في جميع الحوارات السابقة، ولا أدري ما الجديد الذي سيضيفونه هذه المرة.
وطبعًا، هناك من يقول إن الكلام في الحوار تحصيل حاصل، أما النتائج فمعدة سلفًا، وهي في جيوب تيتيه وستيفاني.
للأسف، هناك توافق واسع بين الليبيين على أن الحوار المهيكل لا يعدو كونه مرحلة عبثية جديدة تُضاف إلى المراحل السابقة التي أضاعت سنوات من عمر الشعب الليبي، وأن الغرض منه هو إطفاء حماس المطالبين بحلول جريئة وجدية للأزمة الليبية، رغم أن الظروف المحلية والدولية مناسبة جدًا لبدء عملية إنقاذ وطنية واسعة تعيد بناء الدولة على أسس ثابتة عنوانها:
الوحدة الوطنية، والهوية العربية الإسلامية الجامعة، والعدالة الاجتماعية، والمساواة التامة بين الليبيين في الحقوق والواجبات، والسيادة الوطنية الكاملة، والسيطرة على الثروات والموارد الطبيعية، ومحاربة الفساد، ووضع خطط عملية لمعالجة آثار عقود الفوضى الماضية.
ونحن نخشى أن تكون نتائج الحوار المهيكل مجرد رُزم من الأوراق تُلقى في أدراج مكاتب هيئة الأمم المتحدة.
ولأن الذكرى قد تنفع المؤمنين، نُذكّر الإخوة المشاركين في الحوار المهيكل، بمختلف توجهاتهم السياسية والفكرية، ببعض الملاحظات التي قد تساعدهم على إنجاز مهمتهم، وتقديم نتائج تختلف عما وصلت إليه لجان الحوار السابقة:
أولًا:
إن الأطراف الليبية، عندما تلتقي، تتفق – في الشكل على الأقل – على أكثر من 90٪ من القضايا المطروحة، وينحصر الخلاف في نسبة قليلة يمكن، لو صدقت النوايا، تجاوزها إلى ما بعد قيام الدولة.
وقد أُتيحت لي فرص للقاء عديد الأطراف، منهم من أختلف معهم في العمق الفكري وحتى في التوجه السياسي، إلا أننا نجد أنفسنا منذ اللحظات الأولى متفقين على نقاط كثيرة تتعلق ببناء الدولة، فلماذا لا نستدعي هذا الاتفاق الواسع بين الأطراف ونبني عليه، بحيث يكون البند الأول في الحوار هو تحديد ما تم الاتفاق عليه في القضايا الأساسية المتعلقة بقيام الدولة؟
ثانيًا:
الليبيون شعب موحد مذهبيًّا واجتماعيًّا، ولم توجد في تاريخهم صراعات أو نزاعات قبلية أو إثنية ذات أهمية، إذا استثنينا بعض المشكلات المحدودة بين قبائل معينة مضى عليها مئات السنين.
والليبيون متصاهرون ومتشاركون في العمل، وفي كل المدن والقرى الليبية توجد تركيبات سكانية تضم تقريبًا جميع القبائل والتكوينات الاجتماعية.
ثالثًا:
يحاول البعض، لأسباب غرضية، إثارة قضية المجموعات العرقية على اعتبار أنها أقليات مهضومة الحقوق تدوسها أغلبية عربية بلا شفقة ولا رحمة، وهو ادعاء لا أساس له من الصحة ولا سند له من التاريخ.
وحتى لو سلَّمنا جدلًا بذلك، فإن الدول الديمقراطية تُبنى على حق المواطنة، لا على حقوق القبائل أو المجموعات الاجتماعية المختلفة. فعندما يكون المبدأ هو المساواة التامة في الحقوق والواجبات بين المواطنين، لا ينبغي النظر إلى أصولهم الجينية، ولا معتقداتهم الدينية أو المذهبية، ولا حتى توجهاتهم الفكرية.
إن حماية الأقليات لا تتم بفرض حقوق مصطنعة لها داخل الدولة، فهذه الحقوق ستُلغى حتمًا بتغير الأوضاع السياسية. الحقوق الحقيقية تكون ضمن الحقوق العامة للمواطنين كافة، وهو الوضع الذي كان قائمًا في ليبيا سابقًا قبل دخول المحاصصة الجهوية والاجتماعية في الشأن السياسي، لتصبح قاعدة لتكوين السلطة، وهي قاعدة أثبتت فشلها الذريع ولم تقدم لا للقبائل ولا للجهات أي فائدة تُذكر.
رابعًا:
يرى البعض أن الدولة الليبية المركزية تمثل مشكلة إدارية، ولن تستطيع توفير الخدمات المطلوبة للأطراف البعيدة عن المركز – أينما كان هذا المركز – ويدَّعون أن النظام الفيدرالي هو الأسلوب الأنسب لإدارة دولة كبيرة. كما يذهبون إلى القول إن ليبيا مكوَّنة من أقاليم تاريخية، وهو قول غير صحيح.
فليبيا، طوال تاريخها القريب، كانت دولة واحدة حكمها العثمانيون كدولة موحدة، وكذلك في العهد القره مانلي، ثم خلال الحكم الإيطالي، وترسخت وحدتها بعد الاستقلال وبعد ثورة الفاتح.
الفيدرالية تُطرح عادة عندما تسعى دول مختلفة إلى الاتحاد في كيان واحد، فهي خطوة نحو الوحدة، أما طرحها في دولة موحدة لتحويلها إلى دولة فيدرالية فذلك أمر غريب سياسيًّا، خاصة في عصر يتجه فيه العالم إلى بناء دول كبيرة قادرة على المنافسة والبقاء، فلا مكان اليوم للدول الصغيرة، لا سيما بعد عودة العالم إلى منطق ما قبل الحرب العالمية الثانية وسياسة “قانون القوة” التي يمارسها ترامب علنًا.
إذا كانت ليبيا الموحدة تعاني في مواجهة متطلبات المستقبل، فكيف سيكون الحال لو جرى تجزئتها إلى دويلات صغيرة؟
خامسًا:
يدّعي البعض أن طرح فكرة الهوية العربية الإسلامية يعني إقصاء مجموعات اجتماعية ليبية ليست من أصول عربية، وهو قول ينافي الحقيقة. فالهوية العربية الإسلامية هي لسان وثقافة ودين وحضارة، وليست انتماءات عنصرية قائمة على المكونات الجينية كما يتوهم البعض.
وفي جميع دول العالم توجد هويات ثقافية جامعة، فالولايات المتحدة الأمريكية، على سبيل المثال، تتكون من خليط من شعوب العالم، أوروبيين وأفارقة وعرب وهنود وصينيين وكوريين وغيرهم، واعتمدت اللغة الإنجليزية هويةً جامعة، ولم يحتج الهسبانك أو الأفارقة، ولم يعتبروا ذلك انتقاصًا من هوياتهم الذاتية.
وكذلك الحال في الدول الأوروبية كفرنسا وبريطانيا وإسبانيا وغيرها، وهي دول تضم مجموعات إثنية متصارعة تاريخيًّا، ومع ذلك قبلت بهويات جامعة ولم تستخدم الهويات الفرعية أداةً للتقسيم.
وفي كل الأحوال، يمكن وضع هذه النقاط جانبًا، لأنها لا تتعارض مع مبدأ بناء دولة في حدها الأدنى.
