الألسنية العامة بين الفلسفة والمنطق المداخلة الاولى: في اللاهوت 24

مهدي امبيرش
لقد. أشرنا في المداخلة الفائتة إلى أن البشرية لم تتقدم من الناحية الفكرية والمنهجية، على الرغم من تقدمها في التقانة والتصنيع والاختراعات، لقد ذكرنا أن المشكلة الأساسية كانت ولا تزال مشكلة المعرفة، وأن الخلل كان ولا يزال في منهج التفكير، علاوة على شعور الإنسان بالمحدودية والرغبة في امتلاك المطلق، ومن ثم كان اللاهوت سببًا في ترسيخ الأزمة عندما اعتقد الأولون وهو مستمر إلى الآن أن الكون مركب من ثنائية السماء والأرض، وأن هناك فراغًا بين السماء والأرض اقتضى الأمر إلى التفكير في ملئه، في المدرسة الإغريقية القديمة ذكرنا هذه الأطروحة، حيث كان زيوس عندهم رب الأرباب وإخوته الأرباب الصغار يسكنون في السماء ويحكمون الكون من خلال مجلس الإله، ولأن البشر يسكنون الأرض؛ ورب الأرباب يتكلم بلغة الرمز التي لا يفهمونها، اقتضى الأمر إيجاد الوسيط أو نصف الإله الذي له القدرة على تحويل لغة الإله الرمزية إلى لغة الناس اليومية.
وهذا التصور كان موجدا للثالوث القديم الذي لا يزال يحكم العالم اليوم، لقد ذكرنا أن هرمس هو في الخرافة الإغريقية الذي يقوم بهذه المهمة ولا يزال اسمه في القاموس الأوروبي على أنه المؤول.
هنا ضمن هذا المنهج برزت مشكلة اللغة والتعبير عن الأفكار التي أشرنا إلى طرف منها في محاورة كراتيلوس لسقراط ضمن محاورات أفلاطون، وقد رأينا أن سقراط فيها ينتصر للأسماء على حساب الأفعال، وأنه يقسم الأسماء إلى أسماء مقدسة سمتها الآلهة، وأسماء وضعية وضعها البشر، وهذه الفكرة كان لها التأثير الكبير فيما عرف عند المتكلمين من العرب والمسلمين كالفرق الذي قرأناه بين الأشاعرة والمعتزلة، وعند نقاد الأدب واللغة، منهم من انتصر للاسم ومنهم من انتصر للفعل، ومنهم من حاول أن يقدم حلًّا وسطًا على أساس أن الاسم يمثل الروح، وأن الفعل يمثل الجسد، كابن رشيق القيرواني، الذي قال إن العلاقة بين الاسم والفعل كعلاقة الروح بالجسد، وإن لم يكن يفرق بين النفس والروح، وسنأتي على ذلك بالتفصيل عند تناولنا لمشكلة الخطاب عند المتكلمين والفرق التي توصف بالإسلامية.
نلاحظ ونحن نستعرض الخلاف الذي تم بين سقراط وأفلاطون من جهة والمتكلمين من جهة أخرى أن سقراط وأفلاطون اللذين عاشا في أثينا يمثلان النزعة الأرستوقراطية، ومن ثم كانا ينتصران للاسم والتجريد والسكون، وفى المقابل كانت المدرسة السفسطائية في جنوب آسيا تقول على العكس، وهذا الخلاف كان واضحا بين المدرسة الايلية الإغريقية في جنوب إيطاليا والايونية في آسيا الصغرى حيث السفسطائيين أو المتكلمين، كما كانت المدرسة الأيونية وأتباعها من المتكلمين في آسيا الصغرى أي السفسطائيين ينتصرون للفعل والحركة والتغير.
ويمكن القول إن أرسطو وهو مقدوني إغريقي يمثل الموقف الوسط بينهما، فعندما قال أفلاطون إن الحقيقة والمثل الكاملة مفارقة في السماء، وإن كل ما ندركه هو ظلال الحقيقة لا الحقيقة، وإن الفيلسوف وحده القادر على القيام بمعراج صوري إلى السماء، ما يعرف بالجدل الصاعد والهابط الأفلاطوني، في رحلة تطهيرية من الجسد إلى أن يصل إلى السماء نفسًا مجردة؛ فيطلع على الحقيقة في عالم المثل، ثم بالجدل الهابط يعود إلى الأرض ليكون الحاكم الفيلسوف، على أن أرسطو وهو إغريقي من مقدونيا، وكان تلميذًا لأفلاطون، بقي يتعلم على يديه في أثينا عشرين سنة، لم ينكر وجود إله في السماء؛ ربما خوفًا من اتهامه بالتجديف ويكون مصيره الحكم عليه بالموت، كما تم لسقراط، فقد أقر بوجود الإله المفارق، ولكن قام بإنزال الصور الأفلاطونية إلى الأرض، وبذلك بعد أرسطو مؤسس الوضعية الفرنسية اليوم، كما تحسب محاولته هذه حلًّا وسطًا بين الخطاب السقراطي الأفلاطوني التجريدي وبين الخطاب الحي السفسطائي، كما أنه بدل المسار الرأسي إلى السماء من أجل الوصول إلى اليوديمونيا التي نشدها سقراط وأفلاطون، على أنها السعادة، وقد تأثرا في هذا الاعتقاد بالصوفية الهندية، (الشومانيه) في السعي من أجل الوصول إلى النرفانا، حيث الانطفاء الكامل والسكون: لا حركة ولا فعل، وأن عذاب النفس يأتي من الفعل والحركة والتغير (السمسارا والكارما)، كان أرسطو يتخذ في الحركة مسارًا أفقيًّا على الأرض؛ ولأنه منطقي ويعتبر مؤسسًا للقانون الواقعي الوضعي لا يقول بالوصول إلى السعادة (المطلقة)، بل يكفي أن يكون الإنسان سعيدًا في كل مرة، وقد وصف هذه الحالة بالانتليخيا, حيث الهيولي أو المادة مدفوعة بالعشق تتحرك صوب الصورة، ويكون اتحاد المادة بالصورة هو الذي يجعل الإنسان سعيدًا.
هنا نجد أرسطو خلاف معلمه يهتم بالمعرفة الأرضية العملية حيث ألَّف كتبًا وموضوعات عملية في النفس والسياسة والشعر والخطابة والحيوان والنبات وغيرها، ويعتبر الجاحظ المعتزلي، أحد أقطاب فرقة المعتزلة، وصاحب كتاب (البيان والتبيين) ومن المهتمين باللغة ويرى لا أهمية للمعاني التي يقول إنها مطروحة في الطريق يعرفها الجميع، يعد الجاحظ أرسطيا كما يعتبر الأشاعرة أفلاطونيين، ومن الأقوال التي تنسب إلى أرسطو أن الفضيلة وسط بين رذيلتين، حتى كأنه ضمنًا يجعل من أقوال سقراط وأفلاطون تطرفًا أي رذيلة، وأقوال السفسطائيين القائلين بالمادية الصرف هي الأخرى رذيلة وغلو، كما أنه يظهر خلاف بينه وبين معلمه أفلاطون، والأخير، كان يرى أن الفضيلة للأحرار فقط، وباقي البشر برابرة، يرى أرسطو تعددًا للفضائل: فللحاكم فضيلته وللمحكومين فضيلتهم وللسيد فضيلته وللعبد فضيلته، كما في العائلة كل له فضيلته: فللزوج فضيلته وللزوجة فضيلتها والأولاد كذلك لهم فضيلتهم وللخادم في المنزل فضيلته، كما أنه في الوقت الذي كان أفلاطون يسعى في كتابيه: الجمهورية والقوانين إلى إصلاح الانهيار في أثينا خاصة جراء حرب البلوبونيز، بين إسبرطة وأثينا، كان أرسطو ينظر لتلميذه الإسكندر من أجل إقامة دولة عالمية، وسوف نتابع هذا العرض.
