الأمن القومي: معيار تحديد الحلفاء والخصوم والأعداء

بقلم د. محمد جبريل
عند الخطوط الحمراء للأمن القومي قد تتحول التحالفات إلى عداوات، والعداوات إلى تحالفات، ويُجبر السياسي على التخلي عن صداقات أو عداوات، أو تقديم تنازلات عمَّا هو دون تلك الخطوط الحمراء.
في المعارك السياسية تُصنَّف الاصطفافات إلى ست فئات، تتدرج بين: الشركاء، والحلفاء، والمحايدين، والمنافسين، والخصوم، والأعداء.
فالشركاء هم الذين يواجهون مصيرًا مشتركًا، ويلتقون في أهداف يتشاركون في تحقيقها.
أما الحلفاء فهم حشدٌ مؤقت لتحقيق بعض الأهداف، في شكل جبهات أو تفاهمات.
والمحايدون هم الذين يقفون في المنتصف أثناء المواجهات؛ إما لعدم الوعي بالأخطار المحدقة بهم، أو لجبن عن المواجهة، أو لانتهازية ونفعية، واستثمارٍ للموقف لما بعد انتهاء الصراع.
أما المنافسون فوجودهم طبيعي في الحياة، متى كانت المنافسة شريفة ومن أجل تقديم الأفضل.
وأما الدرجتان الأخيرتان، وهما الخصوم والأعداء، فالخصم يُعدُّ عدوًا مؤقتًا؛ إذ لا يحمل عداوة دائمة وراسخة، بل يختلف على بعض العناصر والمصالح.
بينما الأعداء؛ فمنهم عداوته مؤقتة، ومنهم عداوته تاريخية أو عقائدية، وهم الساعون إلى السيطرة، والحالمون بالتوسع، والطامعون في الثروات. وهؤلاء يستحيل زحزحتهم عن مواقفهم العدائية برضاهم، مهما تغيَّرت الظروف، ومهما اتُّخذت من إجراءات للتطبيع.
لقد لاحظنا خلال الشهور الماضية تغيُّر مواقف بعض دول منطقتنا، وفق محددات الأمن القومي للأنظمة الحريصة على مستقبل أجيالها؛ فتحول شركاء إلى أعداء، وأعداء إلى محايدين، وربما إلى حلفاء. ومن العقلانية العمل على تقليل المنضمين إلى صفوف الأعداء والخصوم، عبر تحويلهم إلى حلفاء، أو إلى محايدين على الأقل.
ولا يقتصر هذا التصنيف في الاصطفافات على العلاقات بين الدول، بل ينسحب أيضًا على داخل الدولة الواحدة؛ فليبيا، على سبيل المثال، تتجاذبها كتلتان: إحداهما تريد وطنًا، والأخرى تريد سلطة، وبينهما كتلة ثالثة من المغيَّبين أو العاطفيين.
إن الحكمة والحنكة تقتضيان المحافظة على الشريك والحليف، والحد من تأثير الحاقدين المتقولين، المجبولين على الحقد، والحاملين للضغينة، كما أن استمالة الكتلة العاطفية والمغيَّبة تتطلب خطابًا لا يستفزها، بل يراعي مشاعرها، ويُوعيها بالحقائق الغائبة عنها، واحترام الرموز والتاريخ والقناعات، وتجنب التذكير بالمواقف العدائية أو المخزية للآخرين؛ لأن ذلك لا يساعد على بناء تحالفات، أو اتخاذ مواقف محايدة على الأقل.
