من كراكاس إلى طهران.. البوصلة في الكيان!

بقلم د. مصطفى الزائدي
العدوان الأمريكي على فنزويلا واختطاف رئيسها نيكولاس مادورو، وما ورد في المؤتمر الصحفي للرئيس ترامب من تبجُّح واستهتار بكل القوانين الدولية وبالرأي العام العالمي، وحديثه عن عودة العمل بعقيدة «مونرو» التي تعني ضرورة سيطرة الولايات المتحدة على أمريكا الجنوبية بكل الوسائل الممكنة، وكذلك إعلانه الفج عن السيطرة على الاحتياطي النفطي لفنزويلا لمصلحة الولايات المتحدة والشعب الفنزويلي ــ على حد زعمه ــ كل ذلك يأتي ضمن سلسلة متواصلة من السياسات العدوانية التي تمارسها الولايات المتحدة، والتي أصبحت اليوم علنية بعد أن كانت لعقود مستترة، تُدار في غرف خلفية مغلقة وبعيدًا عن الإعلام.
وقد نُفِّذت هذه السياسات حرفيًّا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بدءًا من التدخل العسكري المباشر في كوريا وفيتنام وليبيا والصومال وبنما والعراق وأفغانستان، مرورًا بعمليات وكالة الاستخبارات الأمريكية في قلب أنظمة الحكم في أمريكا اللاتينية، وتمكين عسكريين فاشيين مرتبطين بها من حكمها كإدارات تابعة للولايات المتحدة، إضافة إلى محاولاتها العديدة لاغتيال رؤساء دول وقادة حركات تحرر، من أبرزها الهجوم على طرابلس وبنغازي بقصد اغتيال القائد معمر القذافي، واغتيال قاسم سليماني في بغداد، والعمليات المتعددة التي نُفذت في اليمن وباكستان وسوريا والعراق بذريعة اغتيال قادة من القاعدة وغيرها من التنظيمات.
بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، الذي كان يشكل رادعًا سياسيًّا وعسكريًّا للسياسات الأمريكية وداعمًا لحركات التحرر في العالم، أصبحت الولايات المتحدة تتحرك في الكرة الأرضية بحرية ودون قيود أو حدود. فاحتلت العراق بالأكاذيب والافتراءات وأعدمت رئيسه، واحتلت أفغانستان، وأشعلت مؤامرة «الربيع العربي» التي كان من أهم أهدافها إسقاط الأنظمة الثورية، والتي تُوِّجت بالعدوان الكبير الذي استمر ثمانية أشهر على ليبيا، ودعمت التنظيمات الإرهابية لإسقاط سوريا، وقدمت دعمًا غير محدود للكيان في حرب الإبادة على غزة، وصولًا إلى العدوان المشترك مع الصهاينة على إيران، ومحاولات قتل علمائها وقادتها وتدمير قدراتها العسكرية والمدنية، وشنَّت حربًا وحشية على اليمن، وأسهمت في اغتيال قادة المقاومة في غزة ولبنان.
الحقيقة أن كل ذلك ليس في مصلحة الشعب الأمريكي، الذي أُدخل في حالة عداء وكراهية مع معظم شعوب العالم. وقد أظهر هذا الشعب رفضه المستمر للسياسات الأمريكية، وكان من أبرز مظاهر ذلك الانتفاضات الطلابية في الجامعات الأمريكية، والتظاهرات غير المسبوقة في مختلف المدن الأمريكية دعمًا للشعب الفلسطيني.
كان بإمكان الولايات المتحدة أن تحقق مصالحها عبر البرامج السلمية والتعاون المشترك مع الدول الأخرى، فلماذا تتجه إلى الحروب والقصف والحصار؟
السبب الأساسي، في تقديري، هو مصالح الكيان الصهيوني. فقد وقعت الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية تحت السيطرة شبه الكاملة للوبي الصهيوني، وأصبحت تعمل أساسًا لتحقيق مصالح الكيان في الشرق الأوسط، إلى حدٍّ يمكن معه القول إن السياسة الخارجية والعسكرية والأمنية الأمريكية مكرَّسة لخدمة الكيان الصهيوني ليس إلا.
الربيع العربي، وقبله تدمير العراق ومحاولة خلق الفوضى في الجزائر، كان هدفه إيجاد محيط هش للكيان يضمن له الاستقرار أولًا والتمدد ثانيًا، وهو أمر يُعلن عنه اليوم دون خجل. فالهجوم على إيران لم يكن منطلقه دعم الشعب الإيراني كما يدَّعون، بل كان انتقامًا من موقف إيران الداعم للقضية الفلسطينية والمعادي للكيان الصهيوني. فقد حوَّلت الثورة الإسلامية إيران من قاعدة صهيونية في الشرق الأوسط إلى منطلق وملاذ للمقاومة وبناء القدرة الذاتية للأمة الإسلامية.
أما الهجوم على فنزويلا واختطاف مادورو، فعلى الرغم من وجود أسباب قوية تتعلق بمحاولات الولايات المتحدة السيطرة على النفط الفنزويلي والمعادن النادرة، فإن السبب الأهم والأول هو موقف مادورو من حرب الإبادة التي يشنها الكيان على غزة. وفي السياق نفسه يأتي التهديد المباشر الذي وجَّهه ترامب إلى الرئيس غوستافو بيترو، رئيس كولومبيا.
لمن لم يطِّلع، ففي بداية العام الجديد جلس ترامب على مكتبه في البيت الأبيض وقال:
«الشرق الأوسط مثل هذه الطاولة الكبيرة، وإسرائيل مثل رأس هذا القلم الجميل، وهذا ليس عدلًا، يجب أن تتوسع».
هنا مربط الفرس: إسرائيل الكبرى.
قبل أيام، كان الإعلامي اليهودي الصهيوني مارك ليفين في البيت الأبيض يحتضن الرئيس ترامب ويعلن أنه أول رئيس يهودي في البيت الأبيض، فيرد عليه ترامب بكل ثبات: «تلك حقيقة».
ترامب يعتقد أنه الوحيد القادر على تحقيق حلم إسرائيل الكبرى عبر تدمير كل القوى المساندة للمقاومة الفلسطينية والرافضة للسياسة الصهيونية، سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي، ونزع سلاح المقاومة في فلسطين ولبنان وسائر الدول العربية، وتفتيت الوطن العربي ليغدو دويلات صغيرة تابعة للكيان.
لذلك يسرِّع ترامب الخطى مستخدمًا كل القوى المتاحة لتحقيق هذا الهدف.
المؤسف هو تناول الإعلام العربي للعدوان على فنزويلا، حيث يصفون العملية ــ وفق الرواية الترامبية ــ بأنها «اعتقال» لمادورو، رغم أنها اختطاف بالقوة، والهدف من ذلك تثبيت الرواية الأمريكية وكأن مادورو مجرم مطلوب، وأمريكا هي شرطي العالم الذي يعتقله. وبشكل عام، ورغم وضوح الموقف وسياسات ترامب المعلنة في كل شيء، لا تزال بعض النخب الإعلامية العربية تتماهى مع الخطاب الإعلامي الصهيوني والأمريكي في توصيف ما تقوم به إدارة ترامب، سواء ضد إيران أم ضد القوى الوطنية في المنطقة أم ضد الدول التقدمية المؤيدة للقضية الفلسطينية. وكان المتوقع منها ــ على الأقل ــ الالتزام بالمهنية إن لم تكن الموضوعية.
لكن مهما بلغت النجاحات التي تحققها الآلة الاستخباراتية والعسكرية والدعائية الأمريكية والصهيونية، فإن ذلك ليس قدرًا محتومًا؛ فالشعوب تنتصر، وإن طال الزمن، والظلم والاستكبار إلى زوال.
