مقالات الرأي

استقراء الأوضاع الاقتصادية في زمن البلطجة الدولية: تداعيات أحداث فنزويلا


بقلم: عثمان الدعيكي


إن قيام الولايات المتحدة بحملة عسكرية على فنزويلا وخطف رئيسها نيكولاس مادورو يمثل سابقة خطيرة في الواقع الدبلوماسي الدولي، ويفتح الباب أمام تداعيات صادمة على الاقتصاد العالمي، لا سيما على الدول المنتجة للنفط، وخصوصًا الدول العربية وليبيا التي تعيش هشاشة سياسية واقتصادية واضحة.
تمتلك فنزويلا أكبر احتياطيات نفطية مثبتة في العالم، ورغم تراجع إنتاجها بفعل العقوبات والأزمات الداخلية، فإن أي تدخل عسكري أمريكي للسيطرة على هذه الموارد وتغيير نظام الحكم قسرًا سيشعل حالة من الذعر في الأسواق. من المتوقع أن ترتفع الأسعار بشكل حاد في المدى القصير نتيجة “علاوة المخاطرة الجيوسياسية”، وسط مخاوف من تعطّل الإمدادات أو توسّع النزاع. غير أن الخطر الحقيقي يكمن في خلق حالة دائمة من عدم الاستقرار، إذ ستُنظر إلى هذه العملية كسابقة تهدد سيادة الدول المنتجة، وتبقي الأسواق شديدة الحساسية لأي تطور مماثل مستقبلًا.
على مستوى أوبك وأوبك+، من المرجح أن تؤدي هذه الخطوة إلى تعميق الانقسامات داخل المنظمة. فدول مثل روسيا وإيران ستعتبر ما جرى تهديدًا مباشرًا لمصالحها، وقد ترد بتعطيل تنسيق الإنتاج أو الانسحاب من اتفاقيات خفضه، ما يزيد من تقلبات الأسعار. كما قد ينقسم أعضاء أوبك بين من يرى في التدخل تهديدًا وجوديًّا لجميع المنتجين، ومن يعتبره فرصة لزيادة حصته السوقية، وهو ما يضعف قدرة المنظمة على لعب دورها كأداة استقرار.
الدول العربية المنتجة للنفط، خاصة الحليفة لواشنطن، ستواجه معادلة معقدة. فارتفاع الأسعار قد يعزز الإيرادات على المدى القصير، لكنه يأتي مصحوبًا بضغوط سياسية داخلية وإقليمية، إضافة إلى مخاطر عدم الاستقرار طويل الأمد في السوق. كما أن التعويل على مكاسب ناتجة عن صدمات جيوسياسية يظل خيارًا محفوفًا بالمخاطر.
أما ليبيا، فستكون من أكثر الدول تضررًا. فاقتصادها المعتمد كليًّا على النفط لا يحتمل تقلبات حادة أو رسائل تشجع على السيطرة بالقوة على الموارد. مثل هذا السيناريو قد يحول النفط الليبي إلى عامل جذب لمزيد من الصراع، بدلًا من أن يكون رافعة للتعافي.
إن أي صدمة كبرى في سوق الطاقة تتضمن تجاوزًا للقانون الدولي لن تفضي إلا إلى فوضى شاملة. وفي عالم كهذا، يبقى الاستقرار السياسي والمؤسسي، لا المضاربة على الأزمات، هو الضمانة الحقيقية لاقتصادات مستدامة.

زر الذهاب إلى الأعلى