مقالات الرأي

غزة وإفلاس العدالة الدولية في زمن الفوضى الترامبية


بقلم ناصر سعيد


لم تعد غزة مجرد قضية إنسانية أو نزاع سياسي، بل أصبحت الدليل القاطع على إفلاس المجتمع الدولي، وسقوط منظومة العدالة العالمية، وعجزها الكامل عن معاقبة إسرائيل على جرائم التجويع المتعمد ومجازر الإبادة الجماعية التي ارتُكبت بحق شعب أعزل، تحت سمع وبصر العالم.
ما جرى في غزة لم يكن “تجاوزات” أو “أخطاء حرب”، بل جرائم موصوفة وفق القانون الدولي، غير أن المجتمع الدولي اختار الصمت، لا عجزًا، بل تواطؤًا، ليؤكد أن العدالة لم تعد معيارًا، بل أداة سياسية تُستخدم انتقائيًّا ضد من لا يملك القوة.
في ذروة هذه الجرائم، لم يكتفِ بنيامين نتنياهو برفض قرارات الشرعية الدولية، بل وجد في دونالد ترامب شريكًا في التمرد على النظام القانوني العالمي. فبدل احترام مؤسسات العدالة، شُنَّت حملة ممنهجة ضد المحكمة الجنائية الدولية، وصلت إلى فرض عقوبات على قضاتها، في سابقة خطيرة تعني عمليًّا إعلان وفاة القانون الدولي.
الأخطر أن دولًا أوروبية، طالما صدَّعت رؤوس العالم بخطاب حقوق الإنسان، تنصلت من التزاماتها القانونية، ورفضت تنفيذ مذكرات التوقيف بحق نتنياهو، لتكشف أن العدالة الغربية تنتهي عند حدود المصالح السياسية.
هكذا أصبحت المحكمة الجنائية الدولية محاصَرة ومشلولة، لا لضعف قانوني، بل بسبب سطوة القوة الأمريكية–الإسرائيلية. فالرسالة باتت واضحة: من يحاسب إسرائيل يُعاقَب، ومن يدافع عن الضحايا يُهدَّد، ومن يرتكب الجرائم يُكافَأ.
هذه ليست أزمة قانون، بل انهيار أخلاقي شامل لمنظومة دولية تدَّعي حماية السلم، بينما تُدار بمنطق الغابة.
ما نشهده اليوم هو تتويج للعبث الترامبي الذي حوَّل الفوضى إلى سياسة رسمية، والابتزاز إلى أداة حكم، والحروب إلى وسيلة لإعادة ترتيب النفوذ.
فمن غزة إلى أوكرانيا، ومن الشرق الأوسط إلى أمريكا اللاتينية، تتوسع دائرة الصراع، بينما يتراجع منطق القانون لصالح منطق القوة.
ولم تتوقف هذه الفوضى عند الحروب العسكرية، بل امتدت إلى حروب اقتصادية، ورسوم جمركية طالت حتى أوروبا، في تأكيد أن الولايات المتحدة لم تعد ترى في حلفائها سوى أدوات مؤقتة في معركة الهيمنة.
لقد سقط وهم السلام، كما سقطت شرعية النظام الدولي، فالعالم اليوم بلا قواعد مُلزِمة، وبلا مؤسسات قادرة على فرض القانون، وبلا توازن يردع المعتدي.
وما لم يتم كبح جماح السياسات الأمريكية من داخل مؤسساتها – الكونغرس، البنتاغون، والناخب الأمريكي – فإن الانهيار سيكون شاملًا، ولن يقتصر على المنطقة العربية وحدها.
من ناحية أخرى وفي ظل هذه الفوضى، برزت محاولات لبناء توازن جديد عبر تكتل البريكس، غير أن الحرب الأوكرانية واستمرار الهيمنة الغربية أعاقا تشكُّل قطب دولي قادر على ضبط النظام العالمي.
لكن الحقيقة باتت واضحة: لا عدالة بلا تعددية قطبية، ولا استقرار دون كسر الهيمنة الأحادية.
فالعالم بحاجة إلى نظام دولي جديد، تقوده قوى كبرى كالصين وروسيا، يقوم على الشراكة، واحترام السيادة، ومنع استخدام القانون كأداة انتقام سياسي.
غزة لم تكشف فقط وحشية الاحتلال الإسرائيلي، بل فضحت نظامًا دوليًّا بلا أخلاق، وعدالة بلا أنياب، وقانونًا يُدفن تحت أقدام القوة.
وما لم يُعَدْ بناء النظام العالمي على أسس حقيقية من التوازن والعدالة، فإن الفوضى لن تكون استثناءً.. بل القاعدة.. ومن هنا فإن حتمية التعددية القطبية ضرورة لا خيار.

زر الذهاب إلى الأعلى