مخطط تطويق مصر وتهديد أمن البحر الأحمر

بقلم/ ناصر سعيد
لم يكن إعلان رئيس حكومة الاحتلال نتنياهو اعترافه بما يُسمّى «إقليم صومال لاند» حدثًا عابرًا أو خطوة دبلوماسية منفصلة عن السياق الإقليمي والدولي، بل يأتي ضمن مسار طويل من التحركات الهادفة إلى إعادة تشكيل موازين القوى في القرن الإفريقي والبحر الأحمر، على حساب الأمن القومي العربي، وفي القلب منه الأمن القومي المصري.
يعود أصل إقليم «صومال لاند» إلى فترة الاستعمار البريطاني، حين كان يُعرف بـ«الصومال البريطاني»، مقابل «الصومال الإيطالي».. وبعد الاستقلال عام 1960، اتحد الإقليمان في دولة واحدة هي جمهورية الصومال، غير أن انهيار الدولة الصومالية مطلع تسعينيات القرن الماضي، عقب سقوط نظام سياد بري عام 1991، فتح الباب أمام إعلان الإقليم انفصاله من جانب واحد.
ومنذ ذلك التاريخ، ورغم استقراره النسبي مقارنة ببقية الصومال، لم يحظَ الإقليم بأي اعتراف دولي رسمي، وبقي خارج الشرعية القانونية الدولية، ومع ذلك، استُخدم كمنطقة رمادية، تستقطب أطماع القوى الخارجية الساعية إلى موطئ قدم في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية جيوسياسية.
لطالما كان القرن الإفريقي مسرحًا لتنافس القوى الكبرى، منذ الحقبة الاستعمارية الأوروبية، مرورًا بالحرب الباردة، وصولًا إلى الصراع الدولي الراهن بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، فضلًا عن أدوار إقليمية متصاعدة للكيان الصهيوني وتركيا.
وتكمن خطورة المنطقة في موقعها الجغرافي، المشرف على مضيق باب المندب، المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من التجارة العالمية وإمدادات الطاقة، ما يجعل أي تغيير في معادلات السيطرة أو النفوذ فيه ذا انعكاسات عالمية.
منذ استقلال إريتريا عام 1993، تحولت إثيوبيا إلى دولة حبيسة بلا منفذ بحري، وهو ما شكّل هاجسًا استراتيجيًا دائمًا لصنّاع القرار في أديس أبابا، وعلى مدار العقود الماضية، حاولت إثيوبيا تعويض ذلك عبر اتفاقيات اقتصادية وموانئ بديلة، إلا أن الطموح بالحضور العسكري المباشر على البحر الأحمر لم يتراجع.
وفي هذا السياق، يأتي السعي للحصول على قاعدة عسكرية عبر «صومال لاند» كقفزة خطيرة تتجاوز الأعراف الدولية، وتهدد بإقحام دولة غير مشاطئة في معادلات أمن البحر الأحمر.
لا يمكن فهم الطموح الإثيوبي البحري بمعزل عن مشروع سدّ النهضة، الذي بدأ العمل به فعليًا عام 2011، في ظل انشغال المنطقة بتداعيات ما سُمّي «الربيع العربي»، فقد مثّل السد نموذجًا واضحًا لسياسة فرض الأمر الواقع، دون توافق قانوني ملزم مع دولتي المصب، مصر والسودان، في خرق صريح لقواعد القانون الدولي للمجاري المائية.
واليوم، يبدو أن النهج نفسه يُعاد إنتاجه في ملف البحر الأحمر كخطوات أحادية، ترتيبات خارج الأطر الشرعية، ودعم خارجي يوفّر الغطاء السياسي والأمني.
الوجود الإسرائيلي في القرن الإفريقي ليس وليد اللحظة. فمنذ خمسينيات وستينيات القرن الماضي، عملت إسرائيل على بناء علاقات وثيقة مع إثيوبيا وإريتريا (قبل استقلالها)، واستخدمت المنطقة كجزء من استراتيجيتها لتطويق العالم العربي من أطرافه، فيما عُرف تاريخيًا بـ”نظرية الأطراف”.
وخلال العقود الماضية، تعزز هذا الحضور عبر التعاون الأمني والاستخباراتي، وتقديم الدعم الفني والعسكري، خصوصًا في الفترات التي شهدت توترًا عربيًا داخليًا. والاعتراف بـ«صومال لاند» يمنح الكيان الصهيوني فرصة جديدة لترسيخ نفوذه قرب باب المندب والبحر الأحمر، بعيدًا عن أي التزامات قانونية دولية.
في موازاة ذلك، عززت تركيا حضورها في الصومال منذ عام 2011، عبر المساعدات الإنسانية، ثم القواعد العسكرية والتدريب الأمني، في إطار مشروع أوسع للتمدد في البحر الأحمر وشرق أفريقيا. ورغم اختلاف الخطاب السياسي بين أنقرة وتل أبيب، فإن تقاطع المصالح في مناطق النفوذ الحساسة يبقى عاملًا مقلقًا، خصوصًا عندما يكون على حساب الأمن العربي.
البحر الأحمر يمثل أحد أهم الشرايين الاستراتيجية للأمن القومي المصري والعربي، ليس فقط من زاوية الملاحة والتجارة، بل باعتباره عمقًا أمنيًا لا يمكن السماح بتحويله إلى ساحة مفتوحة للقواعد الأجنبية والتحالفات المعادية.. وأي اختلال في توازن القوى داخل هذا الممر سيؤثر مباشرة على قناة السويس، وعلى الاقتصاد المصري، وعلى قدرة الدول العربية على حماية مصالحها الحيوية.
إن ما يجري اليوم يضع الدول العربية والإفريقية أمام اختبار حقيقي، فالتعامل مع هذه التطورات بمنطق ردّ الفعل أو الصمت السياسي، يمنح القوى الخارجية فرصة لفرض وقائع جديدة يصعب التراجع عنها لاحقًا.
إن اعتراف نتنياهو بما يُسمّى «إقليم صومال لاند» ليس سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من المخططات التي تستهدف تطويق مصر، وإضعاف الأمن القومي العربي، وإعادة هندسة المنطقة بما يخدم مصالح قوى خارجية.. والتاريخ يعلّمنا أن التهاون مع هذه التحركات في بداياتها، يدفع ثمنه الجميع لاحقًا.
