مقالات الرأي

الألسنية العامة بين الفلسفة والمنطق المداخلة الأولى: في اللاهوت 22


مهدي امبيرش


منذ بداية هذه المداخلات حول أزمة المعرفة منذ آدم عليه السلام وزوجه وتوهم هذا الإنسان المحدود أنه قادر على أن يدرك المدرك، بل والأكثر وهمًا وخداعًا أن تكون وسيلته في ذلك وسيلة عاجزة، كآدم عليه السلام وزوجه عندما أضلهما الشيطان فعصيا وظنا أن ثمرة من الشجرة المحرمة يمكن أن تكون وسيلتهما في الخلد والملك الذي لا يبلى، فكان العراء والهبوط، في هذه المداخلة وضمن أزمة المعرفة سنتناول محطات أربعًا: التشبيه والتمثيل في العربية ونظرية المُثل والمحاكاة عند أفلاطون والتأويل والترجمة.
لقد ذكرنا أن من عبقرية اللسان العربي المعبر عن منهج التفكير والبيان المعبر عن اللسان على أساس أن العملية البيانية هي وسيلة لعبور الأفكار على الرغم من الخطأ الكبير الذي أوقعنا فيه الأعاجم ولا نزال أننا تشبثنا بالوسيلة وتركنا منهج التفكير والهدف والغاية، أي أننا لم نبحث في منهج التفكير واللسان والنحو، وندرك أن القواعد هي قواعد النحو، أي نحو التفكير ومنهجه، وأن الإعراب هو فرع المعنى وليس المعنى، فتركنا البحث في المعنى وتشبثنا بالمفاهيم، وتركنا النحو وتمسكنا بالدليل إليه، أي قواعد اللغة، هنا كان التشبيه في العربية محاولة للاقتراب من المعنى في إقامة علاقة بين طرفي التشبيه: المشبه والمشبه به لعدم قدرتنا على إدراك وجه الشبه أو اسم المعنى، بل إن العلاقة بين المشبه والمشبه به إنما جاءت من محاولة، ليس امتلاك اسم المعنى، بل مقاربته، فإذا قلنا: إن فلانًا كحاتم الطائي فإننا نعترف أنه ليس حاتم الطائي، ولكن حاتم الطائي أقرب درجة منه إلى وجه الشبه، فحاتم الطائي كريم، ولكنه ليس الكرم.
أما التمثيل فهو مقاربة بنوع آخر، فهو ليس إقامة علاقة معنوية كالتشبيه، ولكنها مقاربة تجسيدية وليست الحقيقة الغائبة كذلك، إن الممثل أنطوني كوين مثّل دور البطل عمر المختار، لكنّه ليس عمر المختار، كما فيه اختزال للمكان والزمان، وهذا ينقلنا مباشرةً إلى نظرية المثل عند اليوناني الإغريقي ارستوكليس (أفلاطون)، فأفلاطون في منهج تفكيره الأرستوقراطي يرى أن الحقائق المطلقة موجودة في السماء حيث الإلهي والمقدس، وأن النفوس قبل أن تهبط إلى الأرض كانت لها أجنحة تطير بها في صحبة موكب الآلهة، أي أنها كانت مطّلعة على المطلق والأسماء المقدسة، كما أشرنا سابقًا بإيجاز في محاولة (كراتيلوس) إلى الفرق بين الاسم المقدس الذي تطلقه الآلهة على الأشياء والاسم الوضعي الأدنى أو الأرضي، ومن ثَم يسمو المجرد على المادة ولغة الأعداد على اللغة الحية والسكون على الحركة والاسم على الفعل، هبوط النفوس إلى الأرض تم اعتقالها بالجسد ومن ثَم لا يمكن أن تطلع على الحقائق، وأن ما تتوهم أنه الحقيقة فليس سوى الظِّلال والضَّلال والأوهام، ولا يمكن أن تعود إلى السماء إلا إذا تخلصت من الجسد، وهنا ندرك مقولة سقراط (الموت مطلب الفلاسفة)، وسنعود إلى إيضاحها، هنا بدأت بذور مشكلة معرفية قائمة إلى اليوم بين من يقول بالمعرفة القبلية وبين من ينكر القبل فيقول إن المعرفة الحقيقية ليست سوى التي ندركها بالحواس، ويمكن أن نخضعها بالتجربة، وأن نصل إلى الحكم العام عن طريق الاستقراء، أي الحكم على الكل من خلال الجزء، كما هو أسلوب ما يسمى بالمدرسة الليبرالية المادية التي تقوم على الذرية والفردية والاستقلالية، تقابلها مدرسة أخرى تسمي نفسها الاستنباطية التي قرأناها حديثًا في الفرق بين المدرسة الليبرالية المادية وبين المدرسة الشمولية الشيوعية المادية، أي الفرق في الدرجة. هنا تبرز نظرية المحاكاة عند أفلاطون فهذه التي نراها أو ندركها هي محاكاة بعالم المُثل المفارق، فإذا استفهمنا من أفلاطون وما فائدتها إذًا، فستكون الإجابة لأنها تذكرنا بعالم المثل، ولهذا يقوم أسلوبه وأسلوب أستاذه سقراط ليس على التعليم، بل التذكر، وفي المحاورات يطرح أفلاطون أسئلة ماهوية عن أسماء المعاني والذين يحاورهم المتكلمون الطبيعيون وهو يدرك أنهم عاجزون عن أن يقدموا إجابة لتعريف أسماء المعاني، وهم الذين يدّعون -حسب رأيه- قدرتهم عن طريق التعليم ما جعل طلابهم يدركون الحقائق، ولا يزال الخلاف محتدمًا إلى اليوم بين الذين يقولون بميتافيزيقا المعرفة أو المعرفة المفارقة أو المثالية، كالمدرسة الألمانية، وفي المقابل المدرسة الوضعية الفرنسية والتجريبية الأنجلو أمريكية، وهم يقولون من الاسميين منهم إن المعاني لا ما صدق لها وإنها فقط في الذهن، بل إن القضايا الميتافيزيقية والجمل حولها فارغة، فالحقيقة عندهم هي موجودية (الماصدق) للمفهوم، فلا اسم لا ما صدق له مفهوم؛ ولأن هذه القضايا التي تم طرحها تحتاج إلى مزيد من التناول فسنرجئ الحديث عن التأويل والترجمة وعن إشكالية المعرفة عند السلفية والصوفية والواقعية واليوطوبيا (العالم الافتراضي).

زر الذهاب إلى الأعلى