مقالات الرأي

الشعوب.. مجرد أفراد ضعاف جبناء!


مصطفى الزائدي


لا توجد شعوب نشِطة وأخرى خاملة، كما لا توجد شعوب متقدمة وأخرى متخلفة.
الشعوب واحدة، لا تختلف في تكوينها ولا في طبيعتها، وإنما يكمن الاختلاف في قدرة بعض أفرادها على فرض واقعٍ عليها، واقعٍ يمنحها الصفات التي ننعتها بها.
فلا فرق بين الشعب الفيتنامي الذي أسقط الإمبراطورية الفرنسية ومرَّغ أنف أمريكا في التراب، وبين الشعب الهندي الضخم عددًا الذي اعتبره الإنجليز مجرد درة في التاج البريطاني. الفرق يكمن فقط في الناشطين داخل تلك الشعوب، وفي مشاريعهم وفعالياتهم وقدرتهم على فرض ما يريدون بالوسائل التي يمتلكونها.
لقد صمد الشعب الكوبي في وجه أمريكا، رغم أن المسافة بين هافانا وميامي لا تتجاوز بضعة أميال، بينما فشل البنميون في مواجهة العدوان الأمريكي الذي انتهى بأسر الرئيس نورييغا وقتله في السجون الأمريكية. وصمد الشعب النيكاراغوي وانتصر وفرض إرادته، رغم قربه النسبي من الولايات المتحدة ودعمها للدكتاتور سوموزا، ثم لعصابات الكونترا، بينما فشلت شعوب الهند الصينية في مقاومة الهيمنة الأمريكية.
شعوب قليلة العدد والإمكانيات تنتصر على أعداء مدججين بالسلاح ومتخمين بالمال، وشعوب كبيرة كثيرة العدد والإمكانيات تخنع بسهولة لأخرى صغيرة جاءت محمولة في قوارب من وراء البحار.
وهذا ينسحب أيضًا على التاريخ؛ فلو راجعنا حالات الصراع عبره لرأينا أن الأمر يتكرر دائمًا.
فأين المشكلة إذًا؟
وهل يمكننا في هذه الحال أن نصف شعوبًا بأنها متميزة في المقاومة والصمود وحتى في العلم، وأخرى متخلفة في عقولها وخاضعة لغيرها؟
بعيدًا عن العواطف وأوصاف الشعراء والخطباء ولصوص السلطة، فإن الشعوب مجرد أفراد ضعاف جدًّا، يخافون على أنفسهم من أي شيء، حتى وإن لم يكن مخيفًا، أو من ظلهم كما يقول المثل.
يمكن تشبيه ذلك بحال جماعة تقف في طابور تخضع لتوجيهات شخص واحد يحمل سلاحًا؛ لا يستطيعون مخالفة إشاراته، رغم أنه لا يستطيع قتلهم جميعًا، ولو هبُّوا واجتمعوا عليه لجعلوه كالفأر المذعور، لكن كل واحد منهم يظن أنه وحده لا يستطيع مقاومة ذلك المسلح، ولا يرى المحيطين به الذين يواجهون المشكلة نفسها، غير أن الحال ينعكس إذا اتفق بعض من في الطابور وواجهوا ذلك المسلح.
الشعوب تحتاج إلى من يحركها ويوجهها وينزع عنها عقدة الخوف. أفراد شجعان هم من يمنحون الشعوب لقب الشجاعة.
القوة الفاعلة التي تحرك الشعوب وتحدد خط سيرها تخلق نفسها، وتخرج فجأة دون سابق إنذار ولا حتى مخاض ولادة. وعندما تظهر تلك القوة تتبدل موازين المعركة بين الشعوب وأعدائها وتحسم لصالحها. وفي التاريخ أمثلة لا تُحصى ولا تُعد، فالذي صنع مفهوم فيتنام بالمعنى الذي نعرفه جميعًا هم “الفيتكونغ”، والذي مكَّن كوبا من النصر والصمود هو “الحزب الاشتراكي بقيادة كاسترو”، ومن حوَّل نيكاراغوا من جمهورية موز تابعة لليانكي هم “السانديانيون”.
وينسحب هذا أيضًا على إنجازات الشعوب العلمية والثقافية؛ فعندما تُبنى الدول المستقلة على أكتاف نخب وطنية صادقة، تزدهر الثقافة والعلوم وتتقدم الشعوب تبعًا لذلك، وتصبح نموذجًا يُحتذى.
ولأن “الكلام بلا معنى سفاهة” كما يقول المثل الليبي، فإن حال شعوب الأمة العربية اليوم ليس قدرًا مكتوبًا ولا واقعًا محسومًا، بل هو نتيجة غياب قوة استنهاض تحوِّل العرب من أمة مهددة بالإبادة إلى أمة قادرة على حمل الرسالة التي كلفها خالق الكون بإيصالها إلى العالمين.
إن التباكي على حالنا ووضعنا وخنوعنا لن يغير من الأمر شيئًا، بل لا يُحسب حتى من أعمال المقاومة السلبية. المطلوب ممن يريد أن يعمل، أو حتى أن يأمل في الخروج من الواقع الذي نحن فيه إلى أفق أرحب، يتمكن فيه الشعب من تحقيق رغباته وفقًا لإرادته، أن يفكر في طبيعة تكوين المحرك الذي يقود الشعب.
ما نفتقر إليه نحن في ليبيا والعالم العربي عمومًا هو النخبة الواعية التي تتحمل مسؤولياتها أمام التاريخ وتتصدَّر المقاومة. وللأسف، نجح المستعمر في اختراق نخبنا، وحوَّلها إلى مجموعات من الخائفين ينشرون الرعب في النفوس، ويكرسون فكرة الاستسلام تحت شعار: “ليس في الإمكان أفضل مما هو كائن”.
ولو استثنينا القليل، سواء في مرحلة الكفاح ضد الاستعمار، أم مرحلة التحرر الوطني الأولى، أو اليوم في فلسطين ولبنان واليمن، لوجدنا نماذج يمكن الاستفادة منها، حتى وإن اختلفت الآراء حولها. فقد فرضت كتائب الشهيد القسام واقعًا جديدًا كتبته بالدم والصبر والصمود، وكذلك كان حال حزب الله في لبنان وأنصار الله في اليمن، وقلة أخرى غيرها، رغم الغياب شبه التام للنخب القومية والوطنية التقدمية.
الجموع ضعيفة خائفة رغم كثرتها، لا تفعل شيئًا، بينما القلة المؤمنة المنظمة تغيِّر التاريخ.
هذا ليس تحليلًا فلسفيًّا، بل قراءة للواقع. فمن يرد أن يسهم في الخروج من الأزمة الليبية فعليه أن يتجه إلى الأساس.. بناء نخبة وطنية تعلي مصلحة الوطن ولا تبحث عن مصالحها الخاصة، فثوار الفيتكونغ في فيتنام لا نعرف أسماءهم اليوم، ولم يكونوا يسعون إلى ذلك، لكننا نرى نتائج أفعالهم ونستدل بها، رغم البعد الجغرافي والعقائدي بيننا وبينهم.
الميزة الكبرى لدينا أن شعوبنا، بشكل عام، أكثر وعيًا وحرصًا على التغيير، وأكثر استعدادًا لتقديم التضحيات في سبيل الأوطان والدين، وهذا يسهِّل المهمة من عدة جوانب.. أولًا، يساعد على بروز نخب قيادية دون حاجة إلى جهد طويل أو تدريب ومعاناة، وثانيًا، يسهل استجابة الشعوب لدعوات المقاومة والمطالبة بالتغيير.
ما تشهده ليبيا من حراك شعبي متواصل طيلة أربعة عشر عامًا دليل على حالة وعي متقدمة جدًا، رغم غياب نخبة قيادية توجه هذا الحراك وتطوره.
ولأن النخب، كما أسلفنا، تخلق نفسها وتفرض وجودها، فإن محاولات بناء نخب شكلية وبطرق تعسفية تصطدم بالواقع، وتتحول إلى مجرد بيع للأوهام ولهثٍ وراء السراب.

زر الذهاب إلى الأعلى