بن غفير وفاشية الدولة في أقبح تجلياتها

بقلم/ محمد علوش
لا يمكن النظر إلى تصريحات الوزير الصهيوني إيتمار بن غفير حول عقوبة الإعدام للأسرى الفلسطينيين على أنها مجرد انحراف فردي أو خطاب متطرف معزول، فهي التعبير الأكثر وضوحًا عن البنية الفاشية والعنصرية المتجذرة في دولة الاحتلال، حيث تتحول الكراهية إلى سياسة رسمية، والعنف إلى أداة حكم، والتحريض إلى برنامج يومي.
خلال مناقشة قانون عقوبة الإعدام للأسرى فيما يسمى الكنيست، صرح بن غفير قائلًا: “في اليوم الذي يعدم فيه أسير بفضل عقوبة الإعدام الإلزامية، سأرفع كأسا من النبيذ وأفرح، وأقول إن ذلك من أجل جميع أطفالنا”، وهذا التصريح لا يعكس مجرد خطاب متطرف، بل يجسد ذهنية القسوة والكراهية التي تتبناها أعلى مستويات السلطة في حكومة الاحتلال، ويظهر بشكل صريح كيفية تحويل التعصب والعنف إلى سياسة رسمية.
بن غفير، الذي يشغل منصب ما يسمى بـ«وزير الأمن القومي»، لم يأت من فراغ، بل نشأ في رحم أيديولوجيا استعمارية استيطانية تؤمن بالتفوق العرقي وتنكر حقوق الشعب الفلسطيني ووجوده الإنساني، فتاريخ حياته حافل بالتحريض وتمجيد القتلة والانتماء الفكري لمدارس الإرهاب الصهيوني، وهو اليوم يستخدم موقعه الوزاري لترجمة هذه المعتقدات إلى ممارسات عدوانية ممنهجة بحق أسرى الحرية الفلسطينيين، معتبرًا إياهم أعداء يجب إذلالهم وكسر إرادتهم، لا بشرًا تكفلهم القوانين الدولية.
في عهده، تحولت السجون والمعتقلات إلى ساحات انتقام تتبع منهجية واضحة في التنكيل، تشمل التجويع، والعزل الانفرادي، وسحب الحقوق الأساسية، وهي ليست إجراءات “أمنية” كما يدعي الاحتلال، بل أدوات تعذيب جماعي تهدف إلى سحق إرادة الأسرى والنيل من كرامتهم، وبن غفير لا يتردد في التباهي بهذه الإجراءات والتحريض على مزيد من القمع، في مشهد يعكس ذهنية فاشية متجذرة في أعلى مستويات السلطة، تحوّل كل مؤسسة من مؤسسات الدولة إلى أداة لإرهاب المدنيين وفرض الاستسلام بالقوة.
تكمن خطورته أيضًا في أنه يمثل تيارًا صهيونيًا متطرفًا وشريكًا كاملًا في صناعة القرار داخل حكومة الاحتلال، تيار لا يؤمن بأي أفق سياسي، ولا يعترف بالحقوق الوطنية الفلسطينية المشروعة، ويعتبر العنف المفرط وسيلة “مشروعة” لإدامة الاحتلال، لذلك، ما يمارس بحق الأسرى ليس حدثًا عابرًا أو استثناءً، بل جزء من استراتيجية أوسع تستهدف الشعب الفلسطيني بأسره، في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس وأراضي الداخل المحتل، ضمن مخطط ممنهج لإخضاع الفلسطينيين وتجريدهم من إرادتهم وكرامتهم الإنسانية.
ممارساته تكشف زيف ادعاءات الاحتلال حول الديمقراطية وسيادة القانون؛ فكيف يمكن أن يكون نظاما ديمقراطيا حين يتولى فاشي معلن حقيبة أمنية حساسة، وكيف يكون قانونيًا حين يشرع العقاب الجماعي ويغض الطرف عن الانتهاكات الممنهجة لحقوق الإنسان؟ الصمت الدولي أو الاكتفاء ببيانات خجولة لا يعبر عن عجز أخلاقي فحسب، بل يوفر غطاءً لهذه السياسات ويشجع على استمرارها.
ورغم كل هذا القمع الممنهج، يثبت الأسرى الفلسطينيون أنهم عنوان الكرامة الوطنية، وأن إرادتهم أقوى من أدوات السجان، وأن معركة الحرية لا تحسم بالعنف أو الزنازين، بل بصمود الإنسان المؤمن بعدالة قضيته وحقه في الحرية، ومواجهة فاشية بن غفير وأمثاله لا تكون بالإدانة اللفظية وحدها، بل تتطلب تصعيد الجهد الوطني والسياسي والقانوني، وتدويل قضية الأسرى بوصفها قضية إنسانية وأخلاقية قبل أن تكون سياسية، وهؤلاء الأسرى ليسوا أرقامًا في سجلات الاحتلال، بل شهود أحياء على عنصرية النظام واستمراره في إرهاب الدولة المنظم والقمع والإقصاء.
إيتمار بن غفير ليس استثناءً شاذًا في منظومة الاحتلال، بل مرآة صادقة لوجهها الحقيقي؛ وجه لا يعرف سوى القمع، ولغة القوة، لكنه عاجز عن كسر إرادة شعب قرر أن يكون حرًّا، وأن يواصل الصمود في وجه الاستبداد والإرهاب الرسمي.
