مقالات الرأي

تصرخ البلاد.. والساسة يتجادلون على أطلالها


بقلم/ فرج بوخروبة


ليبيا اليوم تتنفّس بصعوبة، ليس لأنها فقيرة، ولا لأن أرضها قاحلة، بل لأن قلوب من يُفترض أنهم يقودونها صارت أقسى من صحرائها. أربع عشرة سنة مرت منذ أن خرج الليبيون إلى الشوارع يهتفون للحرية، لا ليجدوا أنفسهم بعد كل هذه السنوات يتركون أطفالهم في طوابير الخبز، وينتظرون ساعات تحت لهيب الشمس لملء خزانات سياراتهم بالبنزين، ويدفنون أحبّتهم لأن المستشفى لم يجد دواءً يُنقذهم.
الشعب الليبي لم يعد يطلب العدل الكامل، ولا الحُكم المثالي، بل بات يطلب فقط أن يشعر أنه يعيش في دولة، دولة تُسجّل مولده، وتُعلّم ابنه، وتُعالج مريضه، وتضمن له كهرباءً في ليله. لكن كل هذا بات ترفًا نادرًا، بينما يتشبث السياسيون بكراسيهم، يتجادلون على شرعيات وهمية، ويُعيدون تدوير نفس الوجوه التي أوصلت البلاد إلى هذا الحضيض.
في الزوايا البعيدة من الجنوب، وفي الأحياء الشعبية بطرابلس، وفي أزقّة بنغازي، يُمضي الليبي يومه في كفاحٍ صامت. لا يحمل سلاحًا، ولا يرفع شعارًا، بل يدفع ثمن الانقسام بكل نبضة قلب. يرى كيف تُهدر مليارات الدولارات من عائدات النفط، بينما مدرسة ابنه تنهار، وراتبه لا يكفي لسدّ جوع عائلته. هذا الصبر الطويل ليس ضعفًا، بل كرامة. كرامة ترفض أن تتحول إلى غضبٍ يُمزّق ما تبقّى من نسيج وطن.
ووسط هذا المشهد المؤلم، تبقى المؤسسة العسكرية العربية الليبية بقيادتها الفاعلة واقفة، لا كطرف في الصراع، بل كحاجزٍ يمنع ليبيا من الانزلاق الكامل إلى الفوضى، والمطلوب فقط أن يُحترم كمؤسسة وطنية، وألا يُجرّ إلى متاهات لا تخدم إلا المصالح الضيقة. فالليبيون يعرفون جيدًا أن سلامة ترابهم، وحماية حدودهم، واستقرار مدنهم، لا يمكن أن تتحقّق دون جيشٍ منظمٍ يُحترم ويُدعم، لا أن يُستغلّ أو يُستهدَف.
الحل لا يأتي من الخارج، مهما تعهّدت الدول أو تفاخرت بمبادراتها. الحلّ الحقيقي يبدأ حين يقرّ الليبيون أن ما يجمعهم أكبر بكثير مما يفرّقهم. حين يقرّ السياسيون أنهم خُدّام الشعب، لا سادته. حين يُدركون أن الكرسي الذي يتنافسون عليه لن يبقى، لكن الوطن إن ضاع فلن يعود.
ما نحتاجه اليوم ليس مؤتمرًا جديدًا، ولا اتفاقًا يوقّع في فندق فاخر بعيدًا عن عرق الناس ودموعهم. نحتاج إلى لحظة صدق وطني حقيقي. إلى لغةٍ واحدة تُعلّي من قيمة الانتماء، لا الانقسام. إلى اتفاقٍ صامت بين كل الليبيين، من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب، على أن يضعوا مصلحة الوطن فوق أي حسابات فرعية.
الليبيون قادرون. لديهم من الحكمة ما يكفي، ومن التضحية ما يفيض، ومن الحب لوطنهم ما لا ينضب. لكنهم يحتاجون إلى من يُصغي إليهم، لا من يُنصت فقط ليردّ عليهم بخطابات جاهزة. يحتاجون إلى من يرى في معاناتهم دافعًا للتغيير، لا ذريعة للبقاء في السلطة.
ليبيا تستحق أن تعود دولةً تحفظ كرامة مواطنها، لا سوقًا مفتوحةً للمصالح والتدخلات. والشعب الليبي، بعد كل هذا الصبر، يستحق أن يرى بارقة أمل حقيقية ليست في خطابات، بل في أفعال. في مستشفى يُعالَج فيه مريضه، في مدرسة يتعلّم فيها طفله، في شارعٍ يمشي فيه آمنًا دون خوف.
الوقت يمرّ، والفرص تنفد. والليبيون، رغم كل شيء، ما زالوا يؤمنون بأنهم أصحاب قرارهم. فهل تُنصَت لهم أخيرًا؟

زر الذهاب إلى الأعلى