مقالات الرأي

استفهامات وتكهنات طائرة الحداد


بقلم/ ناجي إبراهيم


حادث سقوط طائرة رئيس أركان جيش غرب ليبيا يرتبط ارتباطا وثيقًا بالتحركات التي تقوم بها الدول المتحكمة في المشهد الليبي وبالتعاون مع بعثة الأمم المتحدة، ولا يمكن قراءته بعيدًا عن قرار البرلمان التركي بتمديد بقاء القوات التركية على الأراضي الليبية.
تركيا وبتنسيق كامل مع الإدارة الأمريكية تقوم بلعب دور مشبوه وخطير للتحكم في الوضع الأمني والعسكري لخدمة المشروع الاستعماري الذي يجري تركيبه وتثبيته في المنطقة لتكون الساحة الليبية المفتوحة على أفريقيا شمالها وغربها قاعدته، وخاصة في ظل التغيرات التي حدثت في دول الساحل الأفريقي والتي أفقدت فرنسا وأمريكا تواجدهما في هذه الساحة.
التصريحات التركية المتضاربة التي أعقبت سقوط الطائرة التي تقل الوفد العسكري الليبي فوق أنقرة بعد إقلاعها بأقل من ساعة، لوجود خلل فني أصاب الشبكة الكهربائية بمحركات الطائرة، وحالة الطقس السيئة لا يعفي السلطات التركية من المسؤولية، ويفتح الباب أمام التحليلات التي لا تخلو من الشكوك أن ثمة أمرًا ما غير معلن في تصريحات السلطات التركية، وأن ما حدث قد يكون بتدبير من أطراف لها مصلحة في اغتيال الوفد العسكري الذي تقله الطائرة، وتأخذنا الشكوك والتحليلات إلى التفتيش عن صاحب المصلحة في تغييب القادة العسكريين، وخاصة غذا ما علمنا أن أفراد الوفد أعضاء في لجنة الخمسة زائد خمسة التي ترعاها المفوضية الأممية في ليبيا التي تعمل على تثبيت وقف إطلاق النار بين طرفي الصراع في شرق وغرب البلاد، وذلك ما يجعلنا نتوجس من النتائج التي قد تترتب على أثر غياب هذه الأطراف التي دافعت وحافظت على إدامة الهدوء والاستقرار خلال هذه الفترة من عمر الصراع بين الأطراف الليبية، وكانت قيادة الأركان تعارض كل السياسات التي تقود إلى فتح صراعات وتوترات داخل العاصمة طرابلس، وكانت ترفض اللجوء إلى القوة لحل المشاكل بين الجماعات المسلحة في غرب ليبيا.
حتى تكشف التحقيقات الفنية عن الأسباب التي كانت سببًا في سقوط الطائرة المنكوبة والتي يجب أن تكون شفافة ومحايدة سيظل الجدل والتكهنات حول أسباب السقوط مستمرة، ولن نستطيع استبعاد أيٍّ منها نتيجة للأوضاع التي تمر بها ليبيا منذ ما سمي الربيع العربي عام 2011 وتولي أطراف إقليمية ودولية إدارة الترتيبات الأمنية والسياسية فيها، وتحييد بل تغييب الشعب الليبي عن إدارة هذه الملفات، وما يفاقم تلك المشكلات ويعمق الأزمات هو تعارض وتقاطع مصالح البلدان المتدخلة في الشأن المحلي التي تسعى وبكل السبل إلى تحقيق مصالحها على حساب الاستقرار وتثبيت الأمن ووحدة ليبيا.
ما تشهده المنطقة الغربية من عمليات قتل واغتيالات وبأساليب مختلفة استهدفت قيادات وضباطًا كبارًا في القوات المسلحة العربية الليبية تفوح بل نشتمُّ منها سلوك وممارسات الجماعات الإسلامية الإرهابية التي تدربت في أفغانستان وقياداتها تحتضنها تركيا وتمول عمليات القتل وتصدر الفتاوى التي تستبيح الدماء وتحرض ضد القيادات الأمنية والعسكرية جهارًا نهارًا.
ما تشهده طرابلس من عمليات إرهابية استهدفت قيادات أمنية وعسكرية خلال هذه السنة والسنوات الماضية يتشابه مع ما شهدته بنغازي ودرنة والمنطقة الشرقية قبل العام 2014 حيث نفذت الجماعات الإسلامية عمليات قتل واغتيالات طالت العشرات من أفراد الأجهزة الأمنية والقيادات العسكرية الأمر الذي تسبب في مواجهات دامية بين القوات المسلحة وتلك الجماعات نتج عنها تطهير المنطقة الشرقية من هذه الجماعات التي امتهنت القتل والإرهاب.
إذا أراد الليبيون القضاء على الإرهاب والفوضى والفساد وتحرير قرارهم، عليهم التوجه بانتقاداتهم ومطالباتهم للمجتمع الدولي بكف يده عن التدخل في الشأن الليبي، أما الأجسام التي تجسد دور الكومبارس في إدارة الشأن المحلي فلا حول لها ولا قوة.
وأهم خطوة في عودة السيادة وتحرير القرار الوطني من أيادي الخارج هو تطهير البلاد من جماعات الإسلام السياسي وتطهير البلاد من وجودهم، فهم يشكلون الجسر الذي تستخدمه القوى الأجنبية في العبور إلى القرار الوطني والإمساك به، غير ذلك سنظل في نفس المربع كلما تقدمنا خطوة رجعنا إلى الخلف عشرات الخطوات.
الانتفاضة الشعبية التي تشمل الوطن في كافة ربوعه هي التي ستحمل رسالة قوية للأطراف التي تعبث بالأوضاع المختلفة في ليبيا وترعى الفوضى وتحمي الفاسدين حتى تعرف أن مصالحها مع الشعب الليبي وليس مع هذه الجماعات المكروهة والمنبوذة.

زر الذهاب إلى الأعلى