ليبيا بين تشريح الفشل ومقومات الخلاص

بقلم: خالد الزغيبي
لم تكن النخب الليبية شمعة تنير طريق الأمة، بل كانت مرآة تعكس انقساماتها. فلطالما تقدمت الصفوة خطوة إلى الأمام في الخطاب وتراجعت خطوتين إلى الخلف في الممارسة. ولطالما حدثونا عن الوطنية وهم يوزعون المناصب بحسابات قبلية، وخطبوا عن الوحدة وهم يحفرون خنادق الانقسام.
العجيب في التجربة الليبية أن النخبة لم تكن قائدة للمجتمع، بل كانت تابعة له. تخيل المثقف أنه يصوغ وعيًا جماعيًا، وهو في الحقيقة يعيد إنتاج الوعي السائد. ظن البيروقراطي الواهم أنه يبني دولة، وهو يكرس سلطة العائلة. اعتقد التقني أنه يحدث منظومة، وهو في الحقيقة يصلح آلة للاستمرار لا للتغيير.
خلقت الدولة الليبية مواطنًا متخيلًا، مواطن القانون والدستور، المواطن المنتج، المواطن المشارك. لكنها في الواقع أنتجت رعايا متفرقين بين أن يكونوا رعية للقبيلة، أو رعية للمنطقة، أو رعية للزعيم.
المفارقة أن المجتمع الليبي تحول من رهان الدولة إلى رهان القبيلة دون أن يصير مواطنًا في أي من الحالتين. فهو في الدولة ليس سوى رقم في سجل، وفي القبيلة هو الذراع الجاهزة لخوض صراع، وفي كلتا الحالتين كان أداة ليس غير. فحتى حين ظللنا نعتقد أن الاقتصاد الريعي سبب المشكلة، تبين لنا مؤخرًا أنه كان تعبيرًا عنها. واكتشفنا بعد فوات الأوان أن النفط لم يخلق الدولة الريعية، بل وجد دولة ريعية فوسعها. وأن الريع لم يخترع القبلية، بل استخدمها. وأن النفط لم يكن لعنة -وإن كنا قلنا غير ذلك على سبيل المجاز- بل كان كاشفًا، نعم كشف النفط هشاشة ما كنا نعتقد أنه متين. واكتشفنا أن الاقتصاد الريعي مشبع بثقافة الحق وليس الواجب. شعر المواطن أن له حقًا في الثروة الوطنية دون واجب نحوها. تحولت الوطنية من انتماء إلى مطلب، من عطاء إلى أخذ.
حين خرج من خرج في 2011 ظن البعض أن خروجه الغاية منه تحرير وطن، ولكن اكتشف هؤلاء مؤخرًا أن دون كيشوت سيظل حاضرًا إلى أن يأتي غودو الذي لن يجيء. نعم وبكل أسى تهاوت الدولة فظهر ما كان مختفيًا، لم يكن ثمة مجتمع مدني ينتظر فرصته، بل مجتمعات متهجسة تخاف من بعضها.
كانت فبراير اختبارًا قاسيًا للمجتمع الليبي، وفشل فيه. كشفت أن ما جمعنا كان الخوف من النظام لا الحلم بأمة. وحين تهاوى النظام ظهر أننا لم نكن ضد الطغيان، بل ضد (الطاغية).
ظللنا نتعامل مع الهوية كمشكلة يجب حلها، بينما هي في الحقيقة قد تكون حلًا لمشكلة التعايش. فالإنسان الليبي لم يبحث عن هوية لأنه ضائع، بل لأنه موجود. المشكلة ليست في تعدد الهويات، بل في عجزنا عن العيش ضمن هذا التعدد. فالهوية الليبية ليست جوابًا نبحث عنه، بل سؤال ينبغي أن نعيشه.
ولطالما سعينا إلى الوحدة ففشلنا. ربما لأن الوحدة مستحيلة في مجتمع متنوع. ربما نحتاج إلى فكرة الوئام بدل الوحدة، إلى التعايش بدل الانصهار. فالوئام لا يعني أن نكون واحدًا، بل أن نتعايش ونحن مختلفون. لا يعني أن تذوب القبيلة في الأمة، بل أن تشارك القبيلة في بناء الأمة دون أن تفقد نفسها.
فشلت دولة المؤسسات لأنها بنيت على فراغ. فربما نحن أحوج الآن في هذه الفوضى إلى عكس المعادلة، كأن نبدأ بمجتمع المؤسسات، ثم نصل إلى دولة المؤسسات. ومجتمع المؤسسات يعني، قبائل تتحول إلى جمعيات أهلية، ومناطق تتحول إلى أقاليم إدارية، وولاءات تتحول إلى مشاركات، وذاكرة تتحول إلى مشروع.
علينا كليبيين أن نعي جيدًا بعيدًا عن مدارات الحالمين من غير أولى الزلفى، أن الدولة لا تفرض عنوة، بل تنمو، وأن الهوية لا تمنح، بل تكتسب، وأن الوحدة لا تعلن، بل تبنى، وأن المستقبل لا ينتظر، بل يصنع على يد.
تعلمنا أن المشكلة ليست في تعدد الولاءات، بل في تسلسلها. فعندما يكون الولاء للقبيلة أولًا ثم للوطن، تكون المشكلة. وعندما يكون الولاء للوطن عبر القبيلة، يكون الحل.
علينا كليبيين أن نعلم أن أي مشروع مستقبلي يجب أن يبدأ من الاعتراف بأن المجتمع الليبي مجتمع قبلي، وأن الدولة الليبية دولة ريعية، وأن الهوية الليبية هوية مركبة، وأن المستقبل الليبي مستقبل ممكن، فالاعتراف ليس استسلامًا، بل واقعية، وليس نهاية، بل بداية.
فليبيا ليست اسمًا على خريطة، أو كعكة يتقاسمها الخراصون، بل هي فعل يومي. ليبيا التي ارتوت بدماء الأجداد والأحفاد ليست إرثًا من الماضي، بل وعد للمستقبل.
المشكلة أيها السادة أننا أردنا أن تكون ليبيا جوابًا، بينما هي في الحقيقة سؤال. أردناها هوية، بينما هي بحث عن الهوية. أردناها وحدة، بينما هي سعي للوئام.
ربما يكون مستقبل ليبيا في قبولها كسؤال، في أسلوب عيشها كبحث يجب الدقة في إنجازه، في بنائها كحلم راود أذهان شبابها وشاباتها. ربما تكون هوية ليبيا هي قدرتها على أن تكون عدة أشياء في وقت واحد، قبيلة وأمة، تراثًا وحداثة، خصوصية وانفتاحًا.
على الحقيقيين في هذا البلد المبتلى أن يعلموا جيدًا أن أزمتنا ليست نهاية المقال، فلعلها بداية حوار وفتح سؤال، فكم من الأسئلة التي صارت عبر العهود مفاتيح للمستقبل، وكم من الأسئلة التي منحت الشعوب القدرة على البداية من جديد، والشجاعة على السير في طرق غير مألوفة، فلا حل أمامنا سوى الإيمان بأن ليبيا ممكنة حتى عندما تبدو مستحيلة.
