مقالات الرأي

الخطاب المتعالي


بقلم/ محمد بوخروبة


القيمة الحقيقية لأي مسؤول لا تقاس بعدد الكاميرات التي ترافقه، ولا بحدة صوته وهو يخاطب المارة، بل تقاس بلغة الخطاب ونبرة الاحترام وعمق الفهم لمعنى المسؤولية العامة.
المشكلة ليست في أن يتحدث المسؤول إلى الناس، بل في كيف يتحدث وبأي افتراض ينطلق ومن أي موقع أخلاقي يخاطب من يفترض أنهم مصدر شرعيته، لقد بات مقلقًا أن نرى خطابًا يتسم بالاستفزاز والتعالي والتوبيخ، وكأن الناس جمهور جاهل يحتاج إلى التقريع لا إلى الشرح، وإلى الأوامر لا إلى الحوار، وإلى التوبيخ لا إلى الاعتراف بالتقصير.
حين يقف مسؤول في الشارع أو أمام كاميرا هاتف، مخاطبًا الناس بلغة أقرب إلى التأنيب، فإنه ينسى أو يتناسى حقيقة بسيطة، المسؤول في الدولة الحديثة ليس وصيًا على المجتمع، ولا معلمًا يعاقب تلاميذ ولا واعظًا يوزع صكوك الفهم والجهل، هو موظف عام كلف بإدارة شؤون الناس، لا بتقويم عقولهم ولا بتصنيفهم إلى فئات تفهم وأخرى لا تفهم.
الخطاب الذي ينطلق من افتراض أن الناس لا تعرف مصلحتها، أو لا تفهم الواقع، أو تخطئ لأنها جاهلة، هو خطاب كسل سياسي قبل أن يكون خطأً أخلاقيًا، لأنه يعفي المسؤول من واجبه الأساسي.. الشرح والإقناع وتحمل المسؤولية.
فالناس لا تقصر من فراغ ولا تخالف من باب العبث، ولا تغضب بلا سبب، وإذا كان هناك خلل في السلوك العام، فالأصل أن يسأل أين السياسات؟ أين التخطيط؟ أين القدوة؟ لا أن يختصر كل شيء في خطاب متعال يحمل المجتمع وحده وزر الفشل.
في زمن الريلز والمقاطع السريعة، تحول بعض المسؤولين إلى ما يشبه مؤدي عروض، يبحث عن لقطة حادة أو جملة صادمة أو نبرة مرتفعة تضمن الانتشار، لكن ما يحقق مشاهدات عالية لا يصنع بالضرورة دولة ولا يبني ثقة ولا يصلح شارعًا.
الخطير في هذا النوع من الظهور أنه يحول التواصل إلى استعراض والسلطة إلى أداء تمثيلي، والناس إلى كومبارس في مشهد معد سلفًا، ويصبح الخطاب موجهًا للكاميرا لا للمواطن، وللرأي العام اللحظي لا للمصلحة العامة.
وحين يستخدم الخطاب الاستفزازي في هذا السياق، فإنه لا يكون عفويًا، بل محسوبًا على فكرة إظهار الحزم عبر الإهانة الضمنية، وكأن الاحترام ضعف والهدوء تردد واللغة الراقية ترف لا يليق بالمنصب.
الدولة التي يحتاج مسؤولوها إلى رفع الصوت على الناس في الشارع، هي دولة تعاني خللًا في أدواتها لا في شعبها، فالدولة تدار بالقانون، بالمؤسسات، بالسياسات الواضحة، وبالخطاب المسؤول لا بالصراخ ولا بالتوبيخ العلني، ولا بتحقير وعي الناس.
والأخطر من ذلك أن هذا الخطاب يراكم فجوة نفسية عميقة بين المواطن والسلطة، فبدل أن يشعر الناس بأن المسؤول واحد منهم يعمل لأجلهم، يبدأون في رؤيته كخصم أو كسلطة متعالية، أو كصوت غريب عن معاناتهم اليومية.
إن الخطاب المحترم ليس لغة ناعمة خالية من الحزم، وليس مجاملة فارغة، بل هو اعتراف صريح بإنسانية المتلقي وعقله وحقه في الفهم، والمسؤول القوي هو من يستطيع أن يكون حازمًا دون إهانة، واضحًا دون استعلاء، مباشرًا دون تحقير.
فالناس لا تطلب من المسؤول أن يكون شاعرًا، لكنها تطلب منه ألا يتحدث إليها كما لو كانت عبئًا، أو مشكلة أو كتلة غير واعية تحتاج إلى ضبط، فالمجتمع الذي يشعر بالاحترام حتى في النقد، هو مجتمع أكثر استعدادًا للتعاون والالتزام وتحمل المسؤولية المشتركة.
المنصب العام ليس مكبر صوت ولا منصة لإفراغ الغضب، ولا فرصة لإظهار الهيبة عبر التقليل من شأن الناس، هو اختبار أخلاقي قبل أن يكون موقعًا إداريًا، وكل خطاب يصدر عن مسؤول في شارع أو فيديو، هو جزء من صورة الدولة ومرآة لعلاقتها بمواطنيها.
فإما أن يكون الخطاب جسرا، أو أن يكون جدارا، وإما أن يكون دعوة للفهم، أو شرارة للاحتقان، وإما أن يرفع من قيمة المنصب، أو يسقطه في أعين الناس، والتاريخ كما الصحافة لا ينسى النبرة.

زر الذهاب إلى الأعلى