المسار إلى لاهاي

بقلم/ عبد الله ميلاد المقري
أعلنت محكمة الجنايات الدولية في لاهاي في الأول من ديسمبر 2025 أنها استلمت المواطن الليبي خالد محمد علي الهيشري من ألمانيا، والمتهم بحجز آلاف الأشخاص عندما كان أحد كبار مسؤولي سجن معيتيقة، وذلك لفترات طويلة. وقبل عملية الاستلام صدرت مذكرة قبض بحقه بتاريخ 10 يوليو 2025، تدّعي أنه مسؤول عن جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، بما في ذلك القتل والتعذيب. وهذه رسالة واضحة إلى جميع من أغواهم سلوكهم أو حرَّضهم على ارتكاب الجرائم الإنسانية، ولا سيما الشباب الذين دُفعوا للأسف إلى ارتكاب تلك الجرائم بتحريض من قيادات أيديولوجية أو وهمية.
الآن سيصل إلى هؤلاء الدور في القبض والاستلام، سواء أكانوا مغترّين بالسلطة في ليبيا التي ورطت نفسها، أو ممن يتولون مهام في الدولة ولم يستطيعوا الحفاظ على الليبيين، وكان الأجدر بهم أن يعلنوا مسؤوليتهم عن جميع الجرائم التي ارتُكبت على الأرض الليبية، وخاصة الجرائم الخطيرة المرتبطة بالإرهاب. وبالمثل، فإن من يتولى السلطة في الوضع الحالي سيتصرف كما تصرفت حكومة الوحدة الوطنية بقبول ولاية محكمة الجنايات الدولية في لاهاي على ليبيا حتى عام 2026، ابتداءً من عام 2011.
ومن حيث وضع الاختصاص، فإن ليبيا ليست دولة طرفًا في نظام روما الأساسي، غير أن اكتمال “المؤامرة” – بما في ذلك الدفع نحو اختصاص المحكمة – ارتبط بادعاء قيام النظام حينها بقتل مواطنيه، وهو ادعاء باطل ومختلق. وبناءً على ذلك، قام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في 26 فبراير 2011 بإحالة الوضع في ليبيا إلى المحكمة الجنائية الدولية بموجب القرار 1970 (2011). وهكذا أصبح للمحكمة ممارسة اختصاصها على الجرائم المدرجة في نظام روما الأساسي، المرتكبة على الأراضي الليبية أو من قِبل مواطني ليبيا. كما أن الفقرة الأخيرة من القرار تمنح المحكمة الحق في المطالبة بأي مواطن ليبي تدور حوله شبهات تتعلق بجرائم إنسانية في أي بلد في العالم، حتى ولو كان ذاهبًا للعمرة محاولًا التخفيف من ذنوبه عن السلوك الإجرامي الذي ارتكبه، سواء أكان ضررًا جسديًّا أم معنويًّا أم كليهما معًا.
هذا الأمر يجب ألا يمرَّ على كل من قام بأعمال مرتبطة بالاعتقال أو التعذيب أو القتل، أو من مارس الانتهاكات نتيجة وجوده ضمن منظمات تحمل السلاح خارج المؤسسة العسكرية الرسمية، وتروع المواطنين، وتسلب حقوق أي معتقل. فمهما طال الزمن، فستظل محكمة الجنايات الدولية قادرة على المتابعة والقبض والتحقيق والحكم، حتى بعد انتهاء مدة الولاية التي قبلت بها حكومة الوحدة الوطنية حتى عام 2026، وربما يلحق ببعض المسؤولين أنفسهم ما يلحق بغيرهم.
أما الذين يعتقدون أنهم سينجون من المتابعة داخليًّا وخارجيًّا بالسفر، وخاصة إلى تركيا حيث تُبيض الأموال المنهوبة أو تُكتسب بطرق غير مشروعة، فعليهم أن يدركوا أن تركيا أو أي دولة أخرى لن تحميهم من تسليمهم إلى لاهاي أو من مصادرة أموالهم القادمة من ليبيا.
ولا مفر من ذلك إلا في حالة واحدة: وجود دولة بسلطة موحدة وقوية، يتولى فيها رئيس الدولة أو مجلس النواب – الناتج عن انتخابات نزيهة – قيادة مصالحة حقيقية. مصالحةٌ يستفيد منها من يقبل بنتائجها، وتُعزّز بعفو عام يحقق شرعية هذه المصالحة، مقرونًا بحق التعويض لمن تضرر من أفعال الذين خالفوا القانون وعبثوا بحقوق الضحايا وبإجراءات العدالة.
