مقالات الرأي

ليبيا بين أطلال الدولة وأطياف الهوية


بقلم: خالد الزغيبي


منذ تأسيسها عام 1951، واجه المشروع الوطني الليبي إشكالية جوهرية: كيفية بناء هوية جامعة في فضاء مجتمعي متناثر، تقطعه الانتماءات الأولية من قبائل وعشائر ومناطق. برزت الدولة كمقاول يحاول إقامة قصر على أرض مليئة بالكهوف والتجاويف القديمة، حيث يكشف كل ارتفاع عن تشققات تفضي إلى فراغات لم تُرِد أن تتحول إلى أساس متين.
في العهد الملكي، سعت الدولة إلى صنع هوية عبر رموز كالعلم والنشيد الوطني، لكنها بقيت حبيسة الإذاعة والمعاملات الرسمية وقصور السلطة. أما في المجتمع، فقد استمرت لغة القرابة والمناطقية والمصاهرة في الهيمنة. جمع الملك إدريس السنوسي، تحت ضغط الواقع الاجتماعي، بين الشرعية الدينية والشرعية القبلية، وقد نتج عن ذلك هوية هجينة: وطنية رسمية للمناسبات، وقبلية عملية للحياة اليومية. لم تفشل الدولة في خلق هوية، بل نجحت في خلق هويتين متوازيتين تعيشان دون التئام.
مع تغيير 1969، حاول العقيد معمر القذافي حل المعضلة عبر استراتيجية جذرية، بهدم مؤسسات الدولة التقليدية وبناء ذاكرة وطنية بديلة تحت مظلة الجماهيرية. استخدم أدوات حديثة كالتعليم والإعلام لتفكيك الولاءات الفرعية، لكن مشروعه وقع في مفارقة؛ فالجماهيرية ذاتها تحولت إلى نوع من القبيلة الكبرى المقنّعة، حيث استمرت العصبيات القديمة تعمل في صمت تحت السطح.
كان النظام التعليمي المختبر الرئيسي لصنع الهوية الموحدة، عبر مناهج رسمت حدودًا وطنية وسرديات تاريخية موحدة. لكن المدرسة بقيت جزيرة معزولة؛ فالتلميذ كان يتعلم عن الوطن في الفصل، ليعود إلى البيت ويسمع حكايات أبيه العائد من اجتماع الروابط القبلية، ويستمع إلى حديث عمه حول انتصارات قبيلته منذ مائة عام على القبائل الأخرى. وهكذا خلق التعليم انفصامًا مبكرًا بدلًا من الهوية.
كذلك، بثّ الإعلام لسنوات خطابات وحدوية وأناشيد وطنية، لكن المجتمع كان يستقبل الصورة ويفسرها عبر شفراته المحلية الخاصة، فتحولت وسيلة التوحيد إلى أداة لفصام آخر.
ثم جاءت أحداث فبراير 2011 لتكشف لحظة الحقيقة؛ فمع سقوط الدولة، ظهرت الهويات العميقة بقوة. ما ظل يُظن أنه هوية وطنية اتضح أنه غطاء رقيق على هويات أقدم. تحولت الشعارات من الوحدة إلى هواجس الانفصال والاصطفاف الجهوي. كُشف أن الهويات الفرعية لم تختفِ، بل كانت تنتظر لحظة ضعف الدولة لتطفو على السطح.
أصبحت الدولة اليوم شبحًا له اسم ورموز، ولكن دون سلطة فعلية، بينما تحولت الهوية الوطنية إلى طيف يتحدث عنه الجميع ولا يراه أحد. فشل الدولة في بناء هوية جامعة خلق فراغًا ملأته هويات أكثر ضيقًا: جهوية، ومذهبية، وقبلية، وحضرية. واللافت أن الوطنية التي فشلت الدولة في بنائها من أعلى، فشل المجتمع أيضًا في بنائها من أسفل.
جزء مركزي من المشكلة يكمن في طبيعة الدولة الريعية، التي قدمت الوطنية كـ«صفقة»: الولاء مقابل الرعاية. أنتج هذا مواطنة استهلاكية، حيث يأخذ المواطن من الدولة ولا يعطي، وتحولت الهوية من التزام إلى امتياز. كما أن الانتقال الفجائي إلى عصر الدولة الحديثة، دون المرور بمراحل تطور طبيعية، أنتج دولة شكلية تفتقر إلى مضمون مجتمعي متجانس.
ساهمت الجغرافيا أيضًا في تعقيد المشهد؛ فالصحراء الشاسعة عززت العزلة الداخلية، بينما سهّل البحر الاتصال بالخارج، لينتج مجتمعًا منفتحًا على العالم ومنغلقًا على ذاته في آن واحد.
ولم تكن النخبة بعيدة عن هذا الإشكال، حيث انشغل كثير منها بالصراع على السلطة أكثر من الإسهام في تأسيس مشروع وطني حقيقي، فتحدثت عن الوطنية وعاشت واقع القبلية.
أمام هذا اليأس، هل من أمل للمستقبل؟
ربما يكون الدرس الأهم هو أن الهوية الوطنية لا تُفرض بالقوة ولا تُوهب بالصدفة. قد تحتاج ليبيا إلى التخلي عن حلم الهوية الجامعة الواحدة، والقبول بالهوية المتعددة. فالحل قد لا يكون في محو التنوع، بل في إدارته بحكمة.
يحتاج المجتمع الليبي إلى عقد اجتماعي جديد لا ينكر الدولة ولا ينكر القبيلة، بل يعترف بالاثنين كواقع معيشي. قد تكون الهوية الوطنية المستقبلية هوية مركبة من مستويين: مستوى وطني جامع للتعامل مع الكيان الأوسع، ومستوى محلي خاص يحفظ التنوع. لكن الشرط الأساسي لأي بداية حقيقية هو الاعتراف بفشل المشروع الوطني السابق.
البداية تكون عندما نتوقف عن البحث عن هوية مفقودة، ونشرع في بناء هوية ممكنة. المشكلة أننا بحثنا عن الهوية الوطنية كإجابة سحرية، بينما كان يجب أن نتعامل معها كسؤال دائم. فالوطن الليبي ليس معطًى موروثًا، بل هو ممكن يُصنع، وليس ذاكرة فقط، بل مستقبل يُبنى. فشل خلق الهوية الموحدة قد يكون نجاحًا في كشف حقيقة المجتمع الليبي بكل تعقيداته، وهذا الكشف نفسه قد يكون أساس أي مشروع وطني صادق.
ليبيا لا تحتاج إلى هوية جاهزة، بل إلى القدرة على العيش مع أسئلة الهوية دون طلب إجابات نهائية. وربما في القدرة على تحمل هذا الغموض، وربما في امتلاك الشجاعة لمواجهة هذا التعقيد دون أوهام، حينها يمكن الحديث عن ملامح هوية ليبية جديدة؛ هوية أبطأ في التشكل، ولكن أعمق في الجذور، وأقل وضوحًا، ولكن أكثر ثباتًا.

زر الذهاب إلى الأعلى