من هيكل المهيكل؟

بقلم: خليفة أحواس
«إنهم يقتلون الجياد، أليس كذلك؟» تذكرت عنوان هذه الرواية التي استعرتها ذات يوم رائق، عندما كنت طالبًا بجامعة قاريونس، كما طُبعت بأذهاننا، لكني نسيت مؤلفها، ولا أدري لماذا تذكرتها تزامنًا مع بدء جلسات حوار «المهيكل» بالعاصمة طرابلس.
دأبت على المشاركة بفضائيات «اليوم» الخاصة حول المشهد الليبي. كنت أظن أن اللجنة الاستشارية، المعلومة بما تضمنت قائمتها من أسماء معروفة، هي نهاية الأحزان، أو أنني رأيتها حالمة بمثابة الضوء في نهاية النفق. لكنها، ما إن انتهت من مقترحاتها، وانضمام الليبيين لخيارها الرابع التأسيسي، حتى جنّ جنون البعثة.
وأن ذات الليبيين الذين نعرفهم بذات وصفاتهم، بما فيهم الأحزاب الليبية الحالية التي ترى ذات البعثة أن غيابها غياب للحرية والحياة المدنية، أقول: رغم الحقائق التي لا إمكانية لتجاهلها، فإن ذات البعثة التي تدّعي تيسير العملية السياسية ذهبت افتراضيًا، وبنسبة خجولة، إلى القول إن هناك من أيدوا الخيار الثالث الذي يعيد الحياة للأجسام السياسية الميتة، متجاهلة تمامًا غضب الشارع ومسيراته التي وصلت إلى أسوارها الحصينة، والبيان الذي تُلي أمامها.
تهرف وتعرف، وتقول إن الشعب مصدر السلطات، وهو من تلا بيانه أمامها، لكنها تجاهلته، في تعبير جلي عن منطقها الإقصائي، خلاف ما تكتب على صفحتها وتقوله تبنّيها. حدّدت شهرين بإحاطتها، ورعت عدم توافق المجلسين، والدليل أنها لم تتحدث بعد الشهرين عن أي عرقلة، بل مددت المهلة، وحضرتها ستيفاني بحسنها داخل المؤسسة الوطنية، وسط بهجة أعضائها الذين تجعّدت بعض وجوههم بفعل عوامل التعرية الديمقراطية.
جاء «المهيكل» بسرية مطلقة وباختياراتها لا باختيارات الشعب الذي أحيا أيامه غضبًا مجانيًا، قبل أن تحيي الحكومة المعترف بها دوليًا أيامها الطرابلسية بمقابل سخي للزعبي ومحمود وهبي وعلا. نعم، جاء «المهيكل». لم تُعلن عن أعضائه ليعرفهم الشعب المسكين، لكنها أعلنت أنه منصة رأي وليس قرارًا؛ أي الكلام عليكم والفعل لنا، على أرض عمر المختار وقرب السرايا.
ومع أنه رأي، أعلنت البعثة لهم عن مدونة سلوك كالتي سمعتها منها في تونس وتركيا وغيرها، وتناست مدونة سلوكها في جنيف التي ضرب بها حضورها عرض الحائط وطوله، وأنها، كما ذهب كبيرهم الذي وقّع عليها، التزام أخلاقي وليس قانونيًّا، ببلد ضاع فيه القانون والأخلاق في سوق الباطل.
«المهيكل» الذي شعارهم فيه: «شاوره وما تعباش عليه»، كاللجنة الاستشارية، جعلت سقف مدته ستة أشهر، يعني لا جديد فيها للأجسام فاقدة الشرعية، وحكومتها المعترف بها هي التي تملك المال والأعمال؛ لا تعيين إلا بأمرها، ولا إفراجات ولا انفراجات.
الأحزاب التي دعتنا لتشكيلها غيّبتها لأنها لا ترضى بعبثها، وهي التي كانت ترى في غيابها غيابًا للحكم الرشيد. حضرت الأحزاب في واقعنا وغابت عن «المهيكل»، بل حتى الدعوات لاستنهاض تيار وطني يستعيد السيادة استفزتها، وجعلت العشرة يدعمون خريطة «المهيكل» الذي هيكل الشعب خارجه، وجعله في المدرجات رغم كل ادعاء غير ذلك.
تدوير الأزمة مستمر، وغياب الفاعلين عن ساحة القرار مستمر، وما كان ذلك يحدث لو أننا على كلمة رجل واحد. حقيقة أننا جميعًا وقلوبنا شتى، وشعاراتنا لا تُحصى.. فمتى نستفيق؟
