مقالات الرأي

مخاطر التوطين في ليبيا


محمد عبد القادر


تمثل قضية التوطين في ليبيا تحديًا وجوديًّا ينطوي على أبعاد سياسية ووطنية وإقليمية ودولية معقدة، بالإضافة إلى الحاجة الماسة إلى مواجهة شعبية منظمة. تتطلب معالجة هذا الملف تفكيك محاوره الرئيسية ووضع آليات علاجية متكاملة لكل منها.
المحور الأول:
السياسة الرسمية (الدولة الليبية) ومخاطر التهاون في ملف التوطين.
يشكل القرار السياسي الرسمي الليبي خط الدفاع الأول والأخير ضد مشاريع التوطين، حيث يتمثل الخطر في الضعف البنيوي للمؤسسات، وغياب الإرادة الوطنية الموحدة، والتأثيرات الخارجية التي قد تدفع باتجاه تمرير صفقات أو قرارات تسهّل التوطين مقابل بقاء فئة نفعية انتهازية تعبث بكل شيء مقابل التمتع بالسلطة وعائداتها من النهب الحرام.
مخاطر هذا المحور تتمثل في تشريع التوطين المقنّع، بحيث يتم تمرير قوانين أو إصدار قرارات إدارية تمنح المهاجرين إقامات طويلة الأمد أو حقوقًا مدنية تشكل بذورًا للتوطين الدائم. كما يظهر الخطر في استغلال حالة عدم الاستقرار من خلال استخدام الفراغ الأمني والسياسي لإبرام اتفاقيات ثنائية أو دولية تخالف المصالح الوطنية العليا، إضافة إلى الفساد الإداري الذي يتمثل في تسهيل منح الجنسية أو وثائق الهوية مقابل رشاوى، مما يخترق التركيبة السكانية.
الآليات العلاجية المقترحة على المستوى الرسمي تبدأ بالتشريع الحاسم عبر إصدار قانون وطني شامل وملزم يجرّم بشكل واضح أي محاولة رسمية أو غير رسمية لمنح الجنسية أو حق الإقامة الدائمة للمهاجرين غير الشرعيين، مع فرض عقوبات صارمة. كما تتطلب توحيد الموقف السيادي بين المؤسسات الليبية المختلفة من حكومة وبرلمان وأجهزة أمنية، واعتماد خطاب رسمي موحد يرفض التوطين رفضًا مطلقًا. ويضاف إلى ذلك تفعيل الدبلوماسية الوقائية باستخدام القنوات الدبلوماسية لرفض الضغوط الدولية المتعلقة بالتوطين، مع التركيز على التعاون في مكافحة الهجرة غير الشرعية وإعادة المهاجرين إلى دولهم الأصلية، إلى جانب تعزيز قدرات الجيش وقوات حرس الحدود لتأمين الحدود الجنوبية والغربية والشرقية بشكل فعال لمنع تدفقات الهجرة.
المحور الثاني:
التحديات الإقليمية والدولية، والمتمثلة في الاتحادين المغاربي والأفريقي والاتحاد الأوروبي.
تمارس كيانات إقليمية ودولية ضغوطًا كبيرة على ليبيا، مدفوعة بمصالح أمنية واقتصادية تتقاطع مع قضية التوطين.
في الإطار الإقليمي المغاربي والأفريقي، يشكل الاتحاد المغاربي والاتحاد الأفريقي إطارًا قد يُستخدم لتمرير حلول إقليمية للهجرة تتضمن تقاسم الأعباء، وهو ما قد يترجم إلى ضغوط على ليبيا لاستقبال واستيعاب أعداد أكبر في إطار إقليمي ودولي أوسع. يكمن الخطر هنا في استخدام مبدأ التعاون الإقليمي لإلزام ليبيا بإنشاء مناطق استقبال ضخمة تتحول فعليًا إلى مناطق توطين دائمة. ويكمن العلاج المقترح في اعتماد دبلوماسية المصالح المتبادلة، والعمل مع دول الجوار والاتحاد الأفريقي على أساس أن استقرار ليبيا هو استقرار للقارة، مع رفض أي صيغة لا تتضمن إعادة المهاجرين إلى بلدانهم الأصلية، إضافة إلى الدعوة لقمة مغاربية أفريقية تركز على مكافحة شبكات التهريب كنقطة انطلاق بدلًا من استيعاب المهاجرين.
أما الاتحاد الأوروبي، الراغب في التوطين، فيمثل المصدر الأكبر للضغوط، نظرًا لسعيه إلى وقف تدفقات المهاجرين نحو أراضيه، وغالبًا ما يقدم إغراءات مالية مقابل تحمل ليبيا لعبء التوطين. ويكمن الخطر في محاولة تحويل ليبيا إلى دولة عازلة أو مستودع بشري عبر تمويل مشاريع تنمية للمهاجرين داخل ليبيا تهدف فعليًا إلى دمجهم في المجتمع. ويقترح العلاج ربط أي تعاون ليبي–أوروبي في ملف الهجرة بالتزام أوروبي واضح بتمويل ودعم برامج إعادة المهاجرين الطوعية أو القسرية إلى بلدانهم الأصلية، وليس مشاريع استيعابهم داخل ليبيا، مع التلويح بتدويل ملف الهجرة أمام الأمم المتحدة واعتبار الضغوط الأوروبية تدخلًا في السيادة إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق عادل، إلى جانب إخضاع جميع الاتفاقيات مع الاتحاد الأوروبي للمراجعة والشفافية البرلمانية والشعبية لقطع الطريق أمام أي بنود سرية متعلقة بالتوطين.
المحور الثالث:
المواجهة الشعبية وآلياتها في إطار المجتمع المدني.
تشكل المقاومة الشعبية والوعي العام الدعامة الأساسية في مواجهة أي محاولة لتمرير مشاريع التوطين، خاصة في حال تهاونت السلطة الرسمية. تكمن مخاطر هذا المحور في غياب التنظيم، ما يحوّل الغضب الشعبي إلى ردود فعل فوضوية أو عرقية أو جهوية بدلًا من قوة ضغط وطنية منظمة، إضافة إلى تسييس القضية واستغلالها من قبل أطراف سياسية لتحقيق مكاسب فئوية بدلًا من حماية المصالح الوطنية، فضلًا عن التعتيم الإعلامي وضعف دور الإعلام في توعية الناس بحجم الخطر الحقيقي الذي يمثله التوطين على الهوية والتركيبة السكانية، خاصة في ظل إعلام فاقد للهوية الوطنية.
الآليات العلاجية الشعبية المقترحة تتمثل في تشكيل لجان مقاومة شعبية عبر إنشاء هيكل وطني جامع يضم نشطاء المجتمع المدني والحقوقيين والأكاديميين والشيوخ والشباب ليكون جسم ضغط منظم يراقب الأداء الرسمي. كما تشمل إطلاق حملات توعية وطنية شاملة مرئية ومسموعة ورقمية تستهدف مختلف شرائح المجتمع لتوضيح المخاطر الديموغرافية والأمنية والاقتصادية للتوطين، وإنشاء وحدات دعم قانوني لتقديم الاستشارة والدفاع عن أي ليبي يتعرض للضغوط أو التهميش بسبب موقفه الرافض للتوطين، إلى جانب تنظيم وقفات احتجاجية سلمية أمام مقرات المؤسسات الرسمية والسفارات الأجنبية والممثليات الدولية للتعبير عن الرفض القاطع لأي مشروع توطين، واستخدام الوثائق والبيانات الشعبية الموقعة من أعداد وطنية غفيرة لأغراض التحشيد والتعبئة والتوعية وإشعار المجتمع المدني بخطورة التوطين كأداة ضغط وطنية.
خلاصة القول إن مواجهة التوطين تتطلب استراتيجية وطنية ثلاثية الأبعاد تجمع بين الإرادة السياسية الحازمة، والدبلوماسية الذكية الرافضة للضغوط الخارجية، والمقاومة الشعبية الواعية والمنظمة والداعمة. وإذا اتحدت الإرادة السياسية والشعبية مدعومة بالاتحادات الإقليمية، فإن أمر التوطين سيكون إلى زوال فكرةً وتنفيذًا.

زر الذهاب إلى الأعلى