مقالات الرأي

حين تُفتح أبواب الخيانة


بقلم: عبد الله ميلاد المقري


في زمن انهيار الدولة الوطنية الليبية، لم يكن المشهد مجرد فوضى طارئة ولا نتيجة صدفٍ سياسية؛ بل كان عملًا ممنهجًا اشتغلت عليه أدوات داخلية وخارجية بخيوط مترابطة، بعضها يختبئ خلف التنظيمات السرية، وبعضها الآخر يمدُّ يده إلى عواصم أجنبية بحثًا عن دعم يبرر الخيانة. ومع مرور السنوات، وبعد نجاح جزء من المؤامرة، بدأت تظهر إلى السطح شخوص تدَّعي أنها “شهود العصر”، بينما هي في الحقيقة من أصحاب الأدوار القبيحة في ذلك الهدم الكبير.
الأغرب أن بعضهم يقف اليوم على رأس مؤسسات عامة، ويتبجح علنًا بأنه كان مطوّعًا لأجهزة استخبارات أجنبية -وعلى رأسها الفرنسية- التي لعبت دورًا رئيسيًّا في التحريض، ودعمت الإرهاب، وأدارت عمليات التآمر عبر حكومة ساركوزي ومدير مخابراته، في أكبر عملية استهداف سياسي وأمني تعرَّضت له ليبيا. هؤلاء لم يكونوا ضحايا، بل كانوا أدوات قدَّموا بلادهم على طبق من الفوضى، وضحُّوا باستقلال الوطن وسيادته وحرية شعبه. وإعادة التذكير بهذه الحقائق اليوم ليس نكأ للجراح، بل تبيانٌ للوقائع وردٌّ ضروري على الأصوات الناعقة التي تطل بين حين وآخر محاولة تبرير خطيئتها الكبرى، متخفية خلف روايات واهية أو “بطولات” مصطنعة.
الحقيقة أن ما قامت به تلك الفئة الباغية فتحَ الطريق على مصراعيه أمام الاستيلاء على مواقع الدولة ومؤسساتها المالية والإنتاجية، ومهَّد لصعود المجرمين الذين حازوا السلاح بدعم خارجي -تسليحيًّا ومخابراتيًّا وحتى إرهابيًّا- ليحكموا قبضتهم على رقاب الليبيين.
ومع غياب الدولة، تمددت المافيات، وتحوَّلت المؤسسات إلى مقرات لجني الغنائم، واستُغلت حالة الانهيار لتزوير القوائم وإغراق الوظائف بمنتسبين لا علاقة لهم بليبيا إلا بحجم ما يحصلون عليه من امتيازات.
ولم تقف الفوضى عند حدود الاستيلاء على مؤسسات الدولة، بل امتدَّت إلى التحكم الكامل في مفاصل السلطة بهدف السيطرة على المال العام المتدفق من عائدات النفط. فقد تحولت الإدارات العليا في قطاع النفط والقطاعات المالية إلى مناطق نفوذ توزَّع فيها الوظائف الحسَّاسة بين الأنساب والمقرَّبين، لا وفق الكفاءة ولا الخبرة، بل وفق الولاء للشبكات التي تتقاسم الغنيمة.
وأصبحت “المهام الرسمية” إلى الخارج وسيلة نهب مُشرعنة، يُستغل فيها السفر لاقتطاع أموال عامة تحت غطاء بدلات ومصاريف، بينما الهدف الحقيقي ليس خدمة القطاع، بل خدمة الجيوب الخاصة. وتحوَّلت برامج التدريب إلى باب واسع آخر للإهدار، حيث تُرسل وفود إلى دول لا تمتلك خبرة في مجال النفط أصلًا، لتبرير الصرف فقط، لا لاكتساب معرفة أو تطوير كوادر وطنية.
هذا العبث لم يمرّ دون أثر؛ فقد أزعج الشريك الأجنبي في عمليات الإنتاج والتنقيب، إذ بات يرى كيف يختنق القطاع بتكدُّس العمالة الوهمية والإنفاق غير المبرر، الأمر الذي ينعكس مباشرة على حصته وعلى جودة إدارة الحقول وكفاءة التشغيل. فالفوضى اليوم لم تعد محصورة في سوء الإدارة، بل أصبحت تهديدًا مباشرًا للشراكات الدولية وللاستقرار الاقتصادي الذي يُفترض أن يشكِّل النفط عموده الأساسي.
إن قول الحقيقة ليس ترفًا، بل واجب. ومن يتجاهل تاريخ المؤامرة على ليبيا، أو يحاول إعادة تلميعه، إنما يشارك في استمرار الخراب. فالأوطان لا تُستعاد بالصمت، ولا تُبنى بالتزوير، بل بفضح الخيانة أينما كانت، وبالتذكير أن الذاكرة الوطنية لا تُزوَّر مهما حاول المزورون أن يطمسوا الحقيقة.

زر الذهاب إلى الأعلى