بعثة دعم أم راعٍ للفوضى؟!

بقلم د. محمد جبريل
منذ اندلاع الفوضى عام 2011، تداول علينا أكثر من عشرة مبعوثين، لكن، يتبدَّل المبعوثون، ولا يتبدل النهج، من الصخيرات إلى جنيف، وصولًا إلى الاستشارية، وتكرارها الحوار المهيكل الحالي.. فكانت حوارات بلا نهاية، وبيانات تافهة مكرَّرة، واتفاقات بلا سندٍ شعبي، ونخب سياسية فاسدة وفاشلة يُعاد تدويرها، فالنتائج صفرية، والواقع يزداد سوءًا.
تحوَّلت البعثة من وسيطٍ محايد إلى مهندسٍ لمسارات سياسية بعيدة عن الإرادة الوطنية، وعلى حساب المواطن الليبي الذي أصبح آخر من يُستشار، وأول من يدفع الثمن.
إن الهدف لم يكن حلَّ الأزمة، بل إدارتها وإطالة أمدها، خدمةً لأجنداتٍ أجنبية لا تريد ليبيا موحَّدة وقوية، تقودها شخصية وطنية، فالمتدخلون الأجانب مستفيدون من ليبيا المنقسمة والضعيفة، التي يقودها النهابون والعملاء، حيث البلاد منتهكة استخباراتيًّا، ومستباحة جغرافيًّا، ومنهوبة اقتصاديًّا.
يُضاف إلى ذلك شبهات فساد رؤساء البعثات وموظفيها، ممن استغلوا مواقعهم لتحقيق مكاسب شخصية، ولا سيما «البعثة العميقة»، ذلك اللوبي سواء من الموظفين للمشرق العربي الذين زرع بذرتهم طارق متري؛ أم من غيرهم، هؤلاء فاسدون يبيعون العضويات، وحاقدون ومؤدلجون وعملاء يُقْصون كلَّ من يحمل رؤية لا تتوافق مع أجندات مشغِّليهم.
وجهت جهات دولية للبعثة اتهامات بالفساد وسوء إدارة الموارد، وآخرها الجدل حول مِنحٍ مالية تُصرف خارج أطر رقابية واضحة.
تاريخيًّا، لم تنجح البعثات في حلِّ الأزمات، بل أسهمت في إطالة أمدها وتعقيدها. فكانت البعثات حاضرة، والحلول غائبة، من لبنان الغارق في الانهيار، إلى العراق الذي فُكِّكت دولته، إلى الصومال الدولة الفاشلة، إلى أفغانستان الدولة الظلامية.
إن الاستمرار في الرهان على بعثات الأمم المتحدة مجرد وهمٍ سياسي. فالحل لا يأتي من قاعات الفنادق، ولا من إحاطات المبعوثين، أو ثرثرات الحوار. الحل الحقيقي يبدأ من الداخل، بتجاوز البعثات المرتشية، وتبنِّي مشروع وطني صلب يضع حدًّا للعبث الخارجي والفوضى الداخلية. لن يتأتى ذلك إلا بحراكٍ شعبي تدعمه القوات المسلحة، يفضي إلى مؤتمرٍ تأسيسي جامع، دون تدخلٍ أجنبي، يؤسِّس لشرعية جديدة لدولةٍ ذات سيادة، بمؤسسات قوية، ولينهي دوَّامة المراحل الانتقالية، البشائر ظهرت الآن من أحرار الغرب الليبي الذي بدأ ينتفض، لاقتلاع حكومة الدبيباتشيلد.
