بين الدبلوماسية الناعمة وأسئلة السيادة

بقلم / عفاف الفرجاني
في بلد يوصف نظريًّا بأنه من أغنى دول المنطقة من حيث الموارد، يبرز مشهد يثير قدرًا عاليًا من التساؤل والريبة، سفارات أجنبية تمول مشاريع شبابية، هذا الذي استوقفني عند قراءة خبر صحفي مدعوم بالصور أن السفارة الفرنسية في طرابلس تمنح دعمًا مباشرًا في مجالات التكنولوجيا والفن والإعلام، وتقدم نفسها بوصفها راعيًا للتنمية لبعض الشباب الليبي. هنا لا يكون السؤال عن قيمة المبلغ أو عدد المستفيدين، بل عن المعنى السياسي والثقافي لما يحدث، وعن السياق الذي يسمح بتحول السفارات إلى فاعل اجتماعي داخل دولة يفترض أنها ذات سيادة.
المساعدات في العلاقات الدولية ليست عملًا خيريًّا بريئًا. هي أداة معروفة ضمن ما يسمى بالدبلوماسية الناعمة، حيث تُبنى دوائر النفوذ عبر الثقافة والتعليم ودعم المبادرات المحلية. غير أن الإشكال الليبي يكمن في غياب الدولة عن أداء هذا الدور، ما يفتح فراغًا تملؤه بعثات أجنبية ببرامج مصممة بعناية، تختار الفئات المستهدفة، وتعيد تشكيل شبكاتها ووعيها وطموحاتها.
حين تمول سفارة أجنبية مشاريع شبابية، فإنها لا تدعم منتجًا اقتصاديًّا فحسب، بل تدخل مباشرة إلى دائرة التأثير في العقول. من هم هؤلاء الشباب؟ كيف جرى اختيارهم؟ وفق أي معايير؟ وما طبيعة العلاقة التي ستنشأ بينهم وبين الجهة المانحة مستقبلًا؟ هل نحن أمام دعم ثقافي وتنموي خالص، أم أمام استقطاب ناعم وبناء ولاءات طويلة الأمد؟ هذه أسئلة مشروعة في عالم تحكمه المصالح لا النوايا الحسنة.
وخلال السنوات الماضية، خاصة في المنطقة الغربية، لم يكن هذا الحضور الأجنبي وليد الصدفة، بل جاء نتيجة عمل تراكمي استهدف بالأساس ما سُمي بقطاع المجتمع المدني. عشرات المنظمات والكيانات ظهرت فجأة، مدعومة ببرامج تدريب وتمويل وورش عمل، رُفعت تحت عناوين براقة كحقوق الإنسان وبناء السلام. غير أن التجربة أثبتت لاحقًا أن جزءًا من هذا القطاع تعرض لاختراقات حقيقية، وأن بعض هذه المنصات تحولت إلى أدوات استقطاب وتجنيد ناعم، أو على الأقل إعادة توجيه فكري وثقافي خارج الإطار الوطني. ومع انكشاف هذا المسار وتراجع فاعليته مجتمعيًّا، بدأ التحول بوضوح نحو فئة الشباب بوصفها الهدف الجديد.
الأخطر أن القطاعات المستهدفة اليوم ليست عشوائية. الإعلام، الفن، والتكنولوجيا ليست مجالات هامشية، بل قطاعات سيادية غير معلنة. من يملك أدوات السرد؟ من يصنع الخطاب العام؟ من يعيد تعريف الهوية والنجاح والقدوة؟ حين تسهم سفارات أجنبية في إعادة تشكيل هذه القطاعات داخل ليبيا، فإنها تشارك فعليًّا في صياغة المشهد الثقافي والرمزي للبلاد، في ظل غياب رؤية وطنية واضحة تحكم هذا التفاعل.
لا أحد يرفض التعاون الدولي، ولا ينكر أهمية الانفتاح على العالم، لكن التعاون يجب أن يتم عبر الدولة ومؤسساتها، وبشروط شفافة، وضمن أولويات وطنية محددة. أما أن تتحول السفارات إلى بديل عن المؤسسات الليبية، وممول مباشر للفئات الاجتماعية الحساسة، فذلك مؤشر خلل عميق، لا في نيات الخارج فقط، بل في عجز الداخل.
ليبيا لا تحتاج صدقات سياسية ولا رعاية رمزية، بل تحتاج دولة قادرة على احتضان شبابها، وتمويل أفكارهم، وصناعة مستقبلهم دون وسطاء. وما لم تُطرح هذه الأسئلة بوضوح وجرأة، فسيظل الدعم الخارجي يرتدي ثوب المساعدة، بينما يمارس أدوارًا أبعد بكثير مما يعلن.
