مقالات الرأي

أزمة السيولة: جذور المشكلة وغياب المعالجة الحقيقية


بقلم: عثمان الدعيكي


أزمة السيولة الخانقة التي يعانيها المواطن اليوم لم تعد مجرد خلل عابر في النظام المصرفي، بل تحولت إلى مشكلة هيكلية تمس جوهر الاقتصاد الوطني وتؤثر مباشرة في حياة المواطنين اليومية. ورغم محاولات مصرف ليبيا المركزي المتكررة لمعالجة هذه الأزمة عبر ضخ السيولة النقدية أو اتخاذ إجراءات أمنية ضد السوق الموازي، فإن هذه المعالجات بقيت محصورة في التعامل مع النتائج، دون التطرق الجاد إلى الأسباب الحقيقية التي صنعت الأزمة وراكمتها.
في جوهرها، ليست أزمة السيولة في ليبيا أزمة نقص في الموارد. فحسب البيانات الرسمية الصادرة عن مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط، فإن الدولة لا تزال تحقق إيرادات نفطية معتبرة، حيث تجاوز متوسط الإيرادات النفطية خلال بعض السنوات التي أعقبت 2011 حاجز 30 مليار دولار سنويًّا، وبلغت في سنوات معينة أكثر من ذلك، كما هو موثق في التقارير السنوية للمصرف المركزي وتقارير صندوق النقد الدولي. ورغم تراجع الاحتياطيات الأجنبية مقارنة بما قبل 2011، فإنها ظلت لفترات طويلة عند مستويات أفضل من دول تمر بظروف اقتصادية وأمنية أقل تعقيدًا.
لفهم أبعاد الأزمة الحالية، من الضروري العودة إلى ما قبل أحداث 2011، حين لم تكن أزمة السيولة هاجسًا لدى المواطن الليبي. ففي تلك الفترة، كان حجم الكتلة النقدية المتداولة محدودًا نسبيًّا، إلا أن السيولة كانت متاحة عند الطلب وبأي كمية، وهو ما تؤكده النشرات الإحصائية لمصرف ليبيا المركزي قبل 2011. ويُعزى هذا الاستقرار إلى وجود منظومة متكاملة لإدارة السياسة النقدية والتجارية، شملت نظامًا صارمًا لفتح الاعتمادات المستندية، ورقابة فعالة من الأجهزة المالية والقضائية، إضافة إلى تقنين الإنفاق الحكومي وفق قوانين ميزانية ملزمة لجميع الجهات العامة.
حتى خلال سنوات الحصار الاقتصادي في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، ورغم الانخفاض الحاد في الموارد وارتفاع الطلب على العملات الصعبة، حافظ الدينار الليبي على قدر مقبول من الاستقرار. وتشير البيانات التاريخية إلى أن سعر صرف الدولار في السوق الموازي لم يتجاوز في أسوأ الظروف نحو 3.5 دينار، ولم يستمر هذا الارتفاع إلا لفترات وجيزة. وقد تحقق ذلك بفضل سياسات نقدية صارمة شملت تقييد استخدام العملات الصعبة، ومكافحة المضاربة، وتشجيع الاعتماد على الإنتاج المحلي، إلى جانب ضبط الإنفاق العام، وهي سياسات موثقة في تقارير البنك الدولي حول الاقتصاد الليبي قبل 2011.
بعد 2011، دخل الاقتصاد الليبي مرحلة من الفوضى غير المسبوقة، مع انهيار منظومة القوانين والرقابة، وسيطرة جماعات مسلحة على مفاصل الدولة. وقد أدى ذلك إلى العبث بالخزائن العامة واستنزاف كميات ضخمة من النقد المحلي والأجنبي. وارتفع الإنفاق الحكومي بصورة حادة دون سياسات مالية واضحة أو خطط اقتصادية متوسطة وطويلة الأجل، ما تسبب في موجة تضخم غير مسبوقة. ووفقًا لبيانات مصرف ليبيا المركزي، ارتفع عرض النقود من أقل من 20 مليار دينار قبل 2011 إلى أكثر من 120 مليار دينار خلال السنوات اللاحقة، أي بزيادة تجاوزت 500%، دون أن يقابلها أي نمو حقيقي في الإنتاج أو في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، وهو ما أكدته تقارير صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بشأن ليبيا.
وتفاقمت الأزمة أكثر مع إصدار تشريعات ألغت العمل بأسعار الفائدة المصرفية، في خطوة حرمت المصرف المركزي من إحدى أهم أدوات السياسة النقدية المعتمدة عالميًا لكبح التضخم وجذب السيولة إلى الجهاز المصرفي. وفي الوقت ذاته، انتشرت ظاهرة الاعتمادات المستندية الوهمية، حيث تم فتح اعتمادات بمئات الملايين من الدولارات لتوريد سلع هامشية أو غير ضرورية، أو لم يتم توريدها أصلًا، وهو ما وثقته تقارير ديوان المحاسبة الليبي المتعاقبة. وقد أدى ذلك إلى استنزاف كبير للاحتياطيات الأجنبية وزيادة الضغط على سعر صرف الدينار.
كما تعرضت المصارف التجارية لعمليات نهب وسرقة مباشرة، سواء من الخزائن أم عبر فرض سحوبات قسرية، ما أدى إلى تآكل الثقة في القطاع المصرفي. ومع تصاعد هذه المخاطر، فرضت مؤسسات مالية دولية قيودًا على توريد العملة الورقية إلى ليبيا، وهو ما أسهم في تفاقم أزمة السيولة النقدية. وبالتوازي، نشأت سوق موازية للتحويلات وتهريب العملة، وظهر فارق بين قيمة الدينار الورقي والدينار المصرفي، حيث بات الدينار النقدي يُتداول بخصم يُقدَّر بنحو 20%، وفق تقديرات السوق وتقارير بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا.
في هذا السياق، تعامل المصرف المركزي مع الأزمة باعتبارها مجرد نقص في النقد المتداول، فاستمر في ضخ السيولة كحلٍّ مؤقت، وهي معالجات لا تتجاوز كونها مسكنات قصيرة الأجل سرعان ما يتلاشى أثرها. كما أن المعالجات الأمنية، مثل إغلاق محال الصرافة أو ملاحقة المتعاملين في السوق الموازي، أثبتت محدودية فاعليتها، إذ سرعان ما يعود النشاط بوتيرة أعلى بمجرد توقف هذه الإجراءات.
إن المعالجة الحقيقية لأزمة السيولة لا يمكن أن تتحقق إلا عبر إدراك جذورها الهيكلية، التي تبدأ بالانقسام السياسي والمؤسسي، وغياب الحوكمة الرشيدة، وسوء إدارة السياسة النقدية. ويتطلب ذلك توحيد المؤسسات المالية، وتعديل التشريعات المصرفية بما يعيد أدوات السياسة النقدية الفعالة، ومحاسبة كل من استفاد من المال العام دون وجه حق، إضافة إلى اعتماد سياسة واضحة وموجهة للاعتمادات المستندية، وتحفيز المواطنين على إيداع مدخراتهم عبر عوائد حقيقية، كما فعلت دول واجهت أزمات نقدية مماثلة وفق تجارب موثقة من صندوق النقد الدولي. دون ذلك، ستبقى أزمة السيولة عنوانًا دائمًا لاختلال الإدارة الاقتصادية، لا لغياب الموارد.

زر الذهاب إلى الأعلى