مقالات الرأي

المنطقة الصفراء كأداة لتكريس التقسيم وإنهاء مشروع الدولة الفلسطينية


محمد علوش


لم يكن الإعلان عن إنشاء ما يُسمّى بـ«المنطقة الصفراء» في قطاع غزة إجراءً عسكريًا مؤقتًا تفرضه ظروف الحرب، بل يأتي في سياق مشروع سياسي–أمني متكامل يسعى الاحتلال من خلاله إلى فرض معادلة جديدة على الأرض الفلسطينية، عنوانها الأساسي تعميق الانقسام الجغرافي والسياسي، وتكريس الفصل النهائي بين قطاع غزة والضفة الغربية، بما يخدم هدفًا استراتيجيًا بعيد المدى يتمثل في ضرب أسس مشروع الدولة الفلسطينية المستقلة، ومنع تجسيد سيادتها الوطنية على الأرض.
إن قراءة هذا المشروع لا يمكن فصلها عن المسار التاريخي لسياسات الاحتلال منذ توقيع اتفاقيات أوسلو، حيث عملت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، وبدرجات متفاوتة، على تفريغ فكرة الدولة الفلسطينية من مضمونها، عبر توسيع الاستيطان في الضفة الغربية، وتهويد القدس، والتحكم بالموارد والمعابر، وصولًا إلى محاصرة قطاع غزة وتحويله إلى كيان معزول جغرافيًا وسياسيًا، واليوم تأتي «المنطقة الصفراء» كحلقة متقدمة في هذا المسار، لا تستهدف غزة وحدها، بل المشروع الوطني الفلسطيني برمته.
فالمنطقة الصفراء، وفق التصورات الإسرائيلية المتداولة، ليست مجرد نطاق أمني أو منطقة عازلة، بل تمثل إعادة هندسة قسرية للحيز الجغرافي والسكاني في قطاع غزة، بما يسمح للاحتلال بالتحكم بالحركة، وتجزئة القطاع إلى مناطق منفصلة، وإخضاعها لإدارة أمنية مباشرة أو غير مباشرة. ويهدف هذا التقسيم إلى كسر وحدة القطاع من الداخل، وإضعاف أي قدرة على بناء نظام سياسي أو إداري موحد، وهو ما يتكامل مع هدف أكبر يتمثل في تثبيت واقع أن غزة كيان منفصل، خارج المعادلة الوطنية الشاملة.
والأخطر في هذا المشروع أنه يسعى إلى تكريس الفصل النهائي بين غزة والضفة الغربية، وهو فصل ليس جديدًا من حيث الممارسة، لكنه اليوم يُطرح كخيار استراتيجي دائم. فالاحتلال يدرك أن وحدة الأرض الفلسطينية تشكّل الشرط الجوهري لإقامة الدولة المستقلة، ولذلك يعمل على ضرب هذه الوحدة عبر سياسات ممنهجة، تبدأ بالجغرافيا ولا تنتهي بالسياسة. وعندما تُفصل غزة نهائيًا عن الضفة، يصبح الحديث عن دولة فلسطينية ذات سيادة مجرد شعار فارغ، بلا أرض متصلة، وبلا مقومات حقيقية للحياة.
وفي هذا السياق، يمكن فهم «المنطقة الصفراء» بوصفها جزءًا من رؤية إسرائيلية أشمل لإدارة الصراع لا حلّه، تقوم على تحويل القضية الفلسطينية من قضية تحرر وطني إلى مسألة إنسانية–إغاثية، يُجرى التعامل معها عبر حلول مؤقتة، ومشاريع اقتصادية أو أمنية، من دون أي أفق سياسي حقيقي. فغزة، وفق هذا التصور، تتحول إلى مساحة محاصرة تُدار بالأزمات، بينما تُترك الضفة الغربية فريسة للتوسع الاستيطاني والضم الزاحف، في ظل سلطة محدودة الصلاحيات، مقيّدة جغرافيًا وسياسيًا.
كما يشكّل هذا المشروع انقلابًا مباشرًا على قرارات الشرعية الدولية، التي أكدت مرارًا وحدة الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967، واعتبرت غزة والضفة الغربية وحدة جغرافية وسياسية واحدة لا يجوز تجزئتها. إلا أن الاحتلال، مدعومًا بحالة من الصمت الدولي، بل وأحيانًا التواطؤ، يمضي قدمًا في فرض وقائع جديدة على الأرض، مستندًا إلى موازين قوى مختلّة، وإلى انشغال العالم بأزماته المتعددة.
ولا يمكن إغفال البعد السياسي الداخلي لهذا المشروع، إذ يسعى الاحتلال إلى استثمار الانقسام الفلسطيني القائم وتعميقه، من خلال فرض ترتيبات جديدة في غزة بمعزل عن الإطار الوطني الجامع، ممثلًا بمنظمة التحرير الفلسطينية. فكل خطوة تُتخذ خارج هذا الإطار تُضعف التمثيل الوطني الموحد، وتفتح الباب أمام صيغ بديلة تخدم، في نهاية المطاف، الرؤية الإسرائيلية القائمة على تعدد الكيانات الفلسطينية وتنازع الشرعيات.
إن مواجهة مشروع «المنطقة الصفراء» لا تقتصر على رفضه إعلاميًا أو سياسيًا، بل تتطلب استراتيجية وطنية شاملة تعيد الاعتبار لوحدة الأرض والشعب والمؤسسات، وهو ما يضع على عاتق القوى الفلسطينية كافة مسؤولية تاريخية لتجاوز الانقسام، وبناء موقف وطني موحد يستند إلى برنامج سياسي واضح، يربط بين مقاومة مخططات الاحتلال، وتعزيز صمود شعبنا على أرضه، والدفاع عن حقه في إقامة دولته المستقلة كاملة السيادة.
كما أن السلطة الوطنية الفلسطينية مطالبة بتكثيف تحركها السياسي والدبلوماسي لفضح أبعاد هذا المشروع، وبيان خطورته على السلم والأمن في المنطقة، وعلى مستقبل حل الدولتين. فالمعركة اليوم لم تعد محصورة في حدود أو ترتيبات أمنية، بل باتت معركة على جوهر القضية الفلسطينية، وعلى حق شعبنا في تقرير مصيره وبناء دولته على أرضه، وعاصمتها القدس.
تمثل «المنطقة الصفراء» محاولة جديدة لفرض أمر واقع استعماري، يستهدف تصفية القضية الفلسطينية عبر أدوات جغرافية وأمنية، لكنها في الوقت ذاته تكشف بوضوح أن الاحتلال لا يبحث عن تسوية عادلة، بل عن إدارة دائمة للصراع على حساب حقوق شعبنا. ومن هنا، فإن إفشال هذا المشروع يمر أولًا عبر استعادة وحدتنا الوطنية، وتعزيز صمودنا، والتمسك بثوابتنا، باعتبارها الضمانة الوحيدة لإبقاء مشروع الدولة الفلسطينية حيًا وقابلًا للتحقق، مهما طال الزمن.

زر الذهاب إلى الأعلى