أزمتنا الحضارية بين الاستعمار القديم والهيمنة الحديثة

المهدي الفهري
في زمن الاغتراب الحضاري أمست الثقافة الغربية ثقافة حاكمة بكل تدفقها، ولم تعد لدينا منظومة ثقافية قادرة على الدفاع عن ثقافتنا، فتخلّينا عن أداء دورنا الثقافي، وتراجعنا عن الاجتهاد في ابتكار الحلول الجذرية وصناعة الإنجازات. وقد غلب علينا المنطق الغربي الحديث الذي يقوم على تعزيز الانتماءات العرقية الضيقة ويرفع من شأنها لإغراق المجتمع في صراع هوياتي، بعد أن عملت موجة الاستعمار الغربي الحديث على تفكيك المكونات التاريخية للشعوب، ومحاولة إحلال الانتماءات القُطرية والشعوبية محلّها.
وبفعل الثقافة الغربية نفسها نشأت بيننا طبقة تبنّت الرؤية الغربية للحياة واعتنقت مقولات الفكر الأوروبي المعاصر، كما أن أغلب الأنظمة الحاكمة في بلداننا بعد انحسار الاستعمار التقليدي كانت نخبًا تحمل أيديولوجيات مستوردة، ولم تسمح بنمو الفكر الأصيل نموًا طبيعيًا، ولم تُراعِ الخصوصيات الحضارية والروحية لمجتمعاتنا. ونتج عن ذلك ظهور تيارات عنصرية وأيديولوجية تعمل عمليًا على استكمال مشروع السيطرة بطرق حديثة، ما أجّج الصراع بين القيم الذاتية والقيم السائدة في المجتمع، وعمّق الشعور بالانفصال عن المحيط الثقافي والاجتماعي الذي تعيشه الأمة.
وهي تبحث عن ذاتها بين موروث التاريخ وضجيج الحاضر، وتحاول أن تنتشل نفسها من رماد الصراع إلى فجر النهضة، وعبر رحلة قاسية بين عبث الانتماءات وهداية الوعي، وهي تدرك أن قوى الصراع الفكري الاستعماري بامتداداته الخارجية والداخلية تسعى إلى تعطيل طريق التطور بكل السبل، خصوصًا عبر تغذية التناقضات المحلية وإشعال الصراعات بين مكونات المجتمع، حتى تتفكك وتتضارب قواه التاريخية، وتتباعد عناصر وحدته وتماسكه، وما يرافق ذلك من معارك وهمية وضياع للدور الحضاري.
وهنا يبرز دور النخب في إعادة بناء الوعي والهوية لمجابهة هذا الواقع، من خلال صياغة مشروع حضاري جديد يستند إلى الانتماء الحضاري للمجتمع، ويعمل على دمج مكوناته التاريخية في عملية ديناميكية تزيده قوةً وتنوعًا. فالتنوع عبر التاريخ كان مصدر ثراء وقوة، ولكنه تحوّل بسبب الجهل وسوء التوظيف إلى أداة للتفرقة والتمزق.
إن ارتقاء الوعي الإنساني من مستوى الانتماء القبلي إلى الانتماء الإنساني الأوسع لا يلغي الانتماءات الطبيعية للشعوب ولا ينتقص من خصوصيتها، بل يحررها من أن تتحول إلى أدوات للصراع والتناحر. فالانتماء ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لتحقيق الارتقاء الإنساني، ومعياره الأصيل هو جهد الإنسان ووعيه وإسهامه في إعمار الحياة، وليس الشعارات أو الدعوات إلى العصبية.
وتقع مسؤولية هذا التحول على النخبة الواعية من العلماء والمفكرين والمثقفين والقيادات الاجتماعية والسياسية، التي ينبغي أن تكون حاضرة في هذه اللحظات التاريخية الحرجة لحماية مجتمعاتنا وهويتنا من الاستلاب والتلاعب والولاء المشبوه لنخب الانتداب والاغتراب الحضاري، وتحرير الناس من الانتماءات الخاطئة للتاريخ، وتوجيههم نحو المستقبل عبر رؤية حضارية جديدة تنقلهم من الانقسام إلى الوحدة، ومن الوهن إلى القوة.
وإن أي تقاعس من هذه النخب عن تحمل مسؤوليتها في تفكيك خيوط مؤامرة الصراع الفكري سيمنح الفرصة للمستعمر القديم والحديث للعودة بقوة وفرض هيمنته من جديد، وحينها لن ينفع الندم.
فاتقوا الله في أوطانكم، واتركوا معارككم الوهمية، واتجهوا نحو المستقبل لبناء وطن يسع الجميع ويسعد فيه جميع أبنائه بلا استثناء.
