فوضى الوعي الرقمي

بقلم/ محمد بوخروبة
لم تكن ثورة وسائل التواصل الاجتماعي مجرد تطور تقني عابر، بل كانت زلزالًا عميق الأثر أعاد تشكيل الوعي الإنساني، وغيّر أنماط التفكير والتفاعل، وفرض واقعًا جديدًا تتداخل فيه الحقيقة بالوهم، والمعرفة بالتضليل، والرأي بالمعلومة. لقد فتحت هذه الثورة أبواب الفضاء الرقمي على مصراعيها أمام جموع غفيرة من المستخدمين، تحوّلوا بين ليلة وضحاها إلى منتجين للرأي، وصنّاع للأحداث، وناشرين للأخبار، دون ضوابط مهنية أو مسؤولية أخلاقية أو وعي معرفي كافٍ.
في هذا الفضاء المفتوح، لم يعد التعبير مقتصرًا على الرأي السياسي أو الموقف العام، بل امتد ليشمل أدق تفاصيل الحياة اليومية والشخصية، حتى بات الخاص عامًا، والهامشي مركزيًا، والتافه متصدرًا. ومع هذا الانفجار في المحتوى، برزت ظاهرة الأخبار السوداء الكاذبة، التي لم تعد استثناءً، بل أصبحت جزءًا أصيلًا من الواقع الافتراضي، تُضخ بلا توقف، وتُستهلك بلا تمحيص، ويُعاد إنتاجها عبر دوائر لا نهائية من التفاعل والانفعال.
إن أخطر ما في المتاهة الرقمية ليس وفرة المعلومات، بل غياب المعايير التي تميّز بين الصدق والزيف، وبين الرأي والتحريض، وبين النقد المسؤول والهدم المتعمد. فالترندات التي تبدو في ظاهرها تعبيرًا عن اهتمامات الرأي العام، غالبًا ما تكون انعكاسًا مصطنعًا لعمليات توجيه خفية، تتحكم فيها خوارزميات لا ترى في الإنسان سوى مستخدم، ولا في القضايا سوى محتوى قابل للتداول.
لقد أدى هذا الواقع إلى تشكّل وعي جمعي هش، سريع التأثر، قابل للاختراق، حيث تُبنى المواقف على الانطباعات، وتُختزل القضايا المعقدة في شعارات قصيرة، ويُستبدل التفكير النقدي بردود فعل عاطفية آنية. وهنا تتحول وسائل التواصل من أدوات للتواصل إلى منصات لإعادة تشكيل الوعي، ومن مساحات للنقاش إلى ساحات صراع مفتوح على العقول.
في الحالة الليبية تتضاعف خطورة هذه الظاهرة، فليبيا التي تعيش منذ سنوات حالة من الانقسام السياسي والهشاشة المؤسسية، أصبحت ساحة خصبة للفوضى الرقمية، حيث تتلاقى الحسابات الوهمية، والمنصات الممولة، والأجندات الخارجية، في إنتاج خطاب مشوّش يضرب الثقة ويعمّق الانقسام، ويغذّي الشك المتبادل بين مكونات المجتمع.
لقد تحوّل الفضاء الرقمي الليبي إلى امتداد للصراع السياسي، لا يعكسه فقط، بل يضخّمه ويعيد إنتاجه بصورة أكثر حدّة. تُستخدم الأخبار الكاذبة لتشويه الخصوم، وتُصنع الشائعات لإرباك الرأي العام، وتُستغل العواطف الوطنية والدينية والاجتماعية لتوجيه الجماهير نحو مواقف تخدم مصالح ضيقة، غالبًا ما تكون بعيدة عن مصلحة الدولة الوطنية.
الأخطر من ذلك أن التداخل بين الحياة الرقمية والحياة الفعلية أحدث شروخًا عميقة في الوعي الاجتماعي والسياسي، فالكثير من الأفراد باتوا يتعاملون مع الواقع من خلال الشاشة، لا من خلال التجربة المباشرة. وتحولت المنصات الرقمية إلى مرجع أساسي لتشكيل الرأي، حتى في القضايا المصيرية التي تتطلب معرفة دقيقة وتحليلًا عقلانيًا. وهكذا أصبح المواطن محاصرًا بسيل من الرسائل المتناقضة، يفقد معها القدرة على التمييز، ويقع فريسة للتيه والارتياب.
إن هذه الشروخ لا تهدد الفرد وحده، بل تضرب أسس الدولة الوطنية. فالدولة التي تقوم على الثقة والمؤسسات والشرعية، تجد نفسها في مواجهة خطاب رقمي يعمل على نزع هذه المرتكزات، عبر التشكيك المستمر، والتحريض المنهجي، وتغذية خطاب الكراهية والانقسام. وفي ظل غياب استراتيجية وطنية لإدارة الفضاء الرقمي، تتحول المنصات إلى أدوات لتقويض الدولة من الداخل دون الحاجة إلى جيوش أو احتلال مباشر.
ولا يمكن فصل هذه الظاهرة عن مفهوم الاحتلال الناعم، حيث تُستخدم التكنولوجيا والإعلام الرقمي كوسائل للسيطرة على الوعي، وتوجيه السلوك، وإعادة ترتيب الأولويات. في ليبيا يظهر هذا بوضوح في محاولات تطبيع الفوضى، وتقديم الانقسام كأمر واقع، وتشويه أي خطاب يدعو إلى الوحدة أو يدافع عن فكرة الدولة ومؤسساتها.
غير أن تحميل وسائل التواصل الاجتماعي وحدها المسؤولية يُعد تبسيطًا مخلًّا، فالمشكلة الحقيقية تكمن في غياب الوعي الرقمي، وضعف الثقافة الإعلامية، وغياب الدور الفاعل للمؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية في تحصين المجتمع. كما أن النخب السياسية والثقافية تتحمل جزءًا كبيرًا من المسؤولية، حين تترك الساحة الرقمية فارغة، أو حين تنخرط فيها بخطاب انفعالي لا يقل فوضوية عما تنتقده.
إن الخروج من المتاهة الرقمية لا يكون بالمنع أو القمع، بل ببناء وعي نقدي يعيد الاعتبار للعقل، ويرسّخ قيم التحقق، ويميّز بين الحرية والفوضى، وبين الاختلاف والهدم. كما يتطلب الأمر رؤية وطنية شاملة تعتبر الفضاء الرقمي جزءًا من الأمن القومي، وساحة يجب إدارتها بذكاء لا تركها نهبًا للفوضى والأجندات العابرة للحدود.
في النهاية تبقى وسائل التواصل الاجتماعي أداة لا خير فيها ولا شر بذاتها، غير أن خطورتها تكمن في قدرتها على تضخيم الأزمات وتسريع الانهيارات إذا لم تُقابل بوعي مجتمعي، ومسؤولية سياسية، ومشروع وطني يعيد ترتيب العلاقة بين الفرد والمجتمع والدولة. وفي ليبيا، حيث المعركة الحقيقية هي معركة وعي، يصبح الانتصار في الفضاء الرقمي شرطًا أساسيًا لاستعادة الدولة وبناء مستقبل لا تبتلعه المتاهة.
