شقاء المرض والوجع الذي يفوق الألم

علي أبو قرين
المرض لا يبدأ حين يختل عضو أو تتغير قراءات التحاليل، بل يبدأ حين يتزعزع الإحساس بالأمان، يبدأ في تلك اللحظة الصامتة التي يسأل فيها الإنسان نفسه ماذا لو كنت مريضًا؟ ومن سيحميني؟ وإلى أين أذهب؟ هنا يولد الشقاء الحقيقي، قبل الأعراض وقبل الألم وقبل أي تشخيص، وشقاء المرض ليس وجع الجسد وحده، بل هو اهتزاز النفس واضطراب المعنى وفقدان الطمأنينة وهو القلق والوساوس والخوف الذي يتضخم مع كل تأخير، والشك الذي يلتهم الثقة في كل ما يُقال ويُكتب ويُوصف له.
وحين يغيب النظام الصحي الراعي، يتحول هذا الشك إلى عبء دائم، ويصبح المرض تجربة قاسية تمتد إلى المريض وأهله، وتطال حياتهم اليومية وعلاقاتهم واستقرارهم وكرامتهم، ولهذا كانت الصحة في جوهرها أبعد بكثير من مجرد الخلو من المرض أو العجز، فالصحة هي حالة اتزان شامل جسدي ونفسي واجتماعي وشعور بالأمان المستمر، وثقة بأن الإنسان لن يُترك وحيدًا حين يضعف، وهي يقين بأن هناك منظومة تحميه وتفهمه وتسبقه بالوقاية وترافقه إن مرض وتُعيده إلى طبيعة حياته دون إذلال أو استنزاف، وحين تغيب هذه الفلسفة يتحول المرض إلى رحلة شقاء، رحلة يبدأها الإنسان باحثًا عن طبيب لا يعرف كيف يختاره، وعن تشخيص لا يعلم مصداقيته، وعن سرير يصعب تأمينه، وعن دواء لا علم بصحته ومصدره وفاعليته، وعن القدرة على الدفع في سوق صحي يُدفع له دفعًا.
وفي كل محطة يزداد القلق ويتآكل الأمل ويُستنزف الجسد والمال معا. ولا يعرف المريض إن كان ما يُجرى له ضرورة علمية أم عبء تجاري، ولا إن كان القرار طبيًّا خالصًا أم مشوبًا بالمصلحة، وهذا الشقاء يتضاعف حين تتحول الصحة إلى سلعة، وحين يصبح العلاج سوقًا والمرض فرصة، عندها يُقاس الحق بالقدرة على الدفع وتُستبدل القيم الطبية بمنطق الربح، ويضيع الفرق بين ما يحتاجه الإنسان فعلًا وما يُفرض عليه، وتفقد التقارير مصداقيتها، وتصبح الإجراءات محل شك، وتنهار الثقة وهي أخطر ما يمكن أن ينهار في أي نظام صحي، وفي ظل الفوضى، لا يقف الألم عند حدود المريض بل يمتد إلى أسرته ويتشارك الجميع القلق ويتقاسمون الخوف ويتحملون الأعباء المالية، ويشهدون تآكل المدخرات وبيع الممتلكات والاستدانة القسرية، ويصبح المرض عامل إنهاك جماعيًّا وليس حالة فردية، ويُنتج فقر صحي يتوارثه الناس كما تُورث الأوجاع.
أما العلاج في الخارج في غياب نظام صحي وطني فلا يختلف في جوهره عن الداخل، فهو انتقال جسدي بلا حماية مؤسسية، وإنفاق بلا ضمانات، ومسار بلا متابعة. ويظن المريض أنه هرب من الفوضى، لكنه غالبًا يحملها معه، لأن الدولة لم تكن حاضرة لا هنا ولا هناك، ولهذا، النظام الصحي الحقيقي ليس مجموعة مستشفيات ولا أجهزة ولا ميزانيات، بل رؤية أخلاقية قبل أن تكون تقنية، هو نظام يحافظ على الصحة قبل أن يعالج المرض، ويعزز الرفاه قبل أن يداوي الألم، ويمنع الشقاء قبل أن يخفف الوجع. إنه نظام لا يُسلع الصحة ولا يتاجر بالمرض، بل يحمي الإنسان باعتباره قيمة وليس تكلفة. نظام استباقي، وتنبؤي ووقائي وعادل وموحد ورقمي ويضبط السوق ويتابع ويحاسب الممارسة ويضمن الجودة ويعيد الثقة. نظام صحي يجعل المريض شريكًا وليس متلقيًا خائفًا، ويصون كرامته وسنده في لحظة ضعفه، وحين توجد هذه المنظومة قد لا تختفي الأمراض كلها، لكن يختفي شقاء المرض، ويمرض الإنسان دون أن ينهار، ويتألم دون أن يُستنزف، ويتعالج دون أن يُهان، وحين يغيب النظام الصحي الفعال والعادل فإن المرض يصبح امتحانًا قاسيًا للكرامة قبل أن يكون اختبارًا للجسد، وإن جوهر الإصلاح الصحي ليس إنقاذ مريض واحد، بل إنقاذ المجتمع من شقاء المرض. فالصحة ليست غياب العلة، بل حضور الدولة والعدالة والحماية والطمأنينة في حياة الناس.
