وطن ثمنه مال فاسد

بقلم: عبد الله ميلاد المقري
عندما ينفجر الوطن غضبًا في وجه سلطة فاسدة منقسمة متنازعة تدير الشأن العام لصالح أهدافها الجشعة لنهب المال العام، ويبحث عمن ينقذه من حالة العبث الذي أوصله أبناء جلدته إليه، ومع تثاقل الهموم والمصائب، يدرك المواطن الليبي أنه قد تقرر أن تُدفن روحه ويبقى جسده هيكلًا عظميًّا لا حراك فيه ولا فعل يجعله يتصدى لما تبقَّى من هذا الجسد. إنها حالة مرَّت بها العديد من الشعوب التي أفقدها اليأسُ والضعفُ القدرةَ على مواجهة هذا العبث الذي يُنصَب يوميًّا على الليبيين، في حالة من النسيان، لأن الضمير الواعي قد فقد الاتجاه نحو بوصلة الوصول إلى برِّ النجاة.
ومع هذا التوصيف لمقدمة قد تجعل البعض يدرك أن ليبيا وصلت إلى حالة من اليأس، وهو محقٌّ في ذلك، حتى من كان قد منَّى نفسه في مرحلة مواجهة المؤامرة الكونية في 2011. هؤلاء كانوا أكثر من انشقَّ على النظام السياسي، وتطوَّعوا بعديد من السلوك الفاحش في دلِّ مخابرات العدو وجيوشه لاستهداف مواقع وحركة القوات المسلحة العربية الليبية التي تدافع عن البلد واستقلاله وحرية المواطن وإرادته.
ويسجّل التاريخ أن الشخوص التي وصلت إلى قصر الإليزيه، بعضهم يتصدر المشهد السياسي والإداري اليوم دون خجل ولا اعتبار أن عمله ذاك أوصله إلى مركز الخيانة العظمى، وأنه سيورّث العار لأبنائه وأسرته مع طول العمر. وأن أمنياته بوجود مرتب يصل إلى 5000 دولار شهريًّا انتهت به إلى الوقوف في طابور أمام المصارف، تستغله عمولة يدفعها من سحب مبلغ ضئيل من مرتبه الذي يصله بعد ثلاثة أشهر من عمله. والذين آمنوا بتوصيل “الخبزة” بسيارة مرسيدس من أحدث الأنواع إلى بيوتهم، تحوّلوا اليوم إلى التجوُّل بسيارات عاطلة من أجل توفير لقمة العيش.
ولا يعني ذلك عدم وجود فئة استغلالية متخمة بالأموال التي تحصل عليها بعدة طرق غير مشروعة، من ضمنها الاعتمادات، آخرها اعتماد مستندي لتوريد حبوب بنّ لصناعة القهوة، وبدلَه تم توريد ملح طعام بقيمة 15,000,000 دينار. وهو مثال من ألوف الحالات التي تشهدها المصارف الليبية وتديرها مافيا الاعتمادات، بعضها وصل إليه النائب العام، وأغلبها تحوّل إلى بناء إمبراطوريات مالية خطيرة امتدَّت إلى أن يكون لها نفوذ فاعل في المصارف التركية. وكل يوم تكتشف الجمارك الليبية القليل منها، وليس بالصدفة فقط، بل بطرق قد تكون شخوص نافذة في دولة الفساد طرفًا فيها.
