القبيلة.. بين مطرقة التقليد وسندان التجديد

خالد الزغيبي
تطرح القبيلة في السياق الليبي كسؤال وجودي مصيري، قبل أن تكون تنظيمًا اجتماعيًّا تقليديًا. إنها ليست مجرد تجمع بشري يحمل اسمًا وشجرة نسب، بل هي طريقة في الوجود ورؤية للعالم تحدد العلاقات والواجبات والهويات. والتحول من كونها عبئًا تاريخيًّا إلى رصيد وطني ليس عملية إدارية سياسية فحسب، بل هو تحول وجودي عميق في فهم الذات الجماعية وموقعها من الزمان والمكان.
ينبع قلق القبيلة الحالي من إحساس عميق بتهديد كينونتها، والذي يتمثل في ثلاثة أبعاد رئيسية هي الغربة الزمنية حيث عاشت القبيلة تاريخيًّا في زمن دائري تتكرر فيه المواسم والطقوس. بينما فرضت الدولة الحديثة زمنًا خطيًّا يتجه نحو المستقبل والتغيير، ما أحدث قطيعة وغربة داخل الذات القبلية. وغربة مكانية تحول فيها (البيت) من براح تبنى فيه العلاقات وتصنع الذوات، إلى مكتب خدمات أو فضاء للميليشيات، ففقد معناه الوجودي ليتحول إلى مجرد مساحة وظيفية. كذلك صراع اللغات حيث تصادم لغة القبيلة، لغة العلاقات المقدسة والعهود الأبدية، مع لغة الدولة الحديثة البراغماتية القائمة على القوانين والمصلحة، في صراع بين لغة القلب ولغة العقل.
تتمثل المعضلة الأساسية في الفصل الحاصل بين بنية القبيلة الظاهرة (النسب، المربوعة، الشيخ، العادات) وروحها المتمثلة في القيم الحاكمة الأصيلة (التضامن، الكرم، الشجاعة، الوفاء). فأدت مرحلة التحول إلى تصلب البنية وتحولها إلى قوالب جامدة، في مقابل تبخر الروح واستبدال قيمها الأصيلة بروح جديدة نفعية قائمة على المصلحة والمنفعة.
تعاني الهوية القبلية من إشكالية جوهرية أيضًا، أهي هوية ثابتة (نحن هكذا لأن أجدادنا كانوا هكذا)، أم هي هوية علائقية متغيرة (نصبح ما نحن من خلال علاقاتنا بالآخرين)؟ لقد كان الخطأ التاريخي هو تحويل الهوية القبلية إلى جوهر مقدس لا يتغير، ما أدى إلى العزلة والانغلاق.
الحل ليس في استمراء هذا الواقع، بل في تحويل الهوية من ماهية ثابتة إلى صيرورة دائمة، ومن هوية مغلقة إلى هوية منفتحة تتعرف على ذاتها من خلال حوارها مع الآخرين.
تكمن أزمة القبيلة المعاصرة أخلاقيًّا في تحول الواجب التقليدي غير المشروط من (الحماية والتضامن بناء على الرابطة فحسب)، إلى واجب مشروط بالمصلحة والمنفعة (أحميك إذا كنت تفيدني). هذا التحول من أخلاق الواجب إلى أخلاق المنفعة أفقد القبيلة روحها الأخلاقية وجوهرها الإنساني.
القبيلة ليست مصيرًا محتومًا، بل هي إمكانية وجودية قابلة للتشكل. ويتطلب تحولها من مشكلة إلى حل قلبًا تأسيسيًّا في فهمها، فالقبيلة من مصلحتها أن تتوقف عن كونها إجابة جاهزة (نحن كذا وكذا) وتصبح سؤالًا مفتوحًا (كيف يجب أن نكون؟). كذلك من مصلحتها أن تتحول الذاكرة القبلية الليبية من نصب تذكاري للماضي إلى مشروع مستقبلي للإبداع. إن الانتماء القبلي يجب أن يصبح قاعدة للانفتاح على الآخر، لا للانغلاق عليه. وأن تتحول الأخلاق القبلية من طقوس شكلية إلى التزام إنساني عميق.
لا يتناقض التطور مع فكرة القبيلة، بل يمكن أن يؤسس لنمط جديد يكون إطارًا جامعًا لمن يؤمن بقيم التضامن والعدالة بغض النظر عن النسب. ويمكنها أن تستخدم التكنولوجيا لربط أفرادها في مشاريع إنسانية، وتطوير أشكال تشاركية للحكم المحلي، وتحويل التراث إلى فنون وإبداعات معاصرة.
ويجب الوضع في الاعتبار أن هذه التحولات لا تتم بالقوة أو بالقرارات الإدارية، بل من خلال اختبار وجودي جماعي، يشمل المصارحة والاعتراف، وتحمل المسؤولية عن تحويل القبيلة إلى أداة صراع.
واجبنا التاريخي هو إعادة صياغة علاقاتنا داخل القبيلة لتقوم على الاختيار لا الإجبار، وخلق طقوس جديدة تعبر عن قيم جديدة. وعلينا أن نلتقي مع القبائل الأخرى كشركاء في الوجود، وأن ننظر إلى الوطن كإطار للتعايش وليس ساحة للصراع.
فالقبيلة في عمقها الوجودي، هي وعد بالانتماء، ووعد بأن الإنسان ليس كائنًا معزولًا. ولإعادة اكتشافها كوعد إنساني، نحتاج شجاعة وجودية لمواجهة الذات وتغيير المسار.
القبيلة ليست عبئًا ولا رصيدًا فحسب، بل هي مسؤولية، مسؤولية إعادة ترتيب الذات كجماعة تليق بالإنسان المعاصر، وتحويل العلاقات من قيود إلى أطر تحملنا نحو آفاق أرحب.
التحول الحقيقي يبدأ بلحظة صحوة روحية جماعية تدرك فيها القبائل أن وجودها الحقيقي ليس في الدفاع عن الماضي أو المصالح الضيقة، بل في المساهمة في خلق مستقبل يستطيع فيه كل ليبي أن يقول بفخر أنا ابن هذه الأرض.
