نحو طريق ثالث.. بين الأصالة والمعاصرة

المهدي الفهري
فكرة الطريق الثالث بمفهومها التنموي والسياسي ليست جديدة، بل نادى بها العديد من الفلاسفة والمفكرين لمعالجة التحديات الناتجة عن المجتمع الصناعي المعاصر، وذلك من خلال البحث عن طرق جديدة للتنمية الاجتماعية ذات الأبعاد العالمية، وفي حين يُعرف البعض الطريق الثالث بالمسار الوسطي بين اليسار القديم واليمين المتجدد يصنّفه البعض الآخر بالموضة الفكرية المتصالحة مع العولمة والمنسجمة مع التاريخ كمصدر إيحاء وإلهامٍ للعديد من الشعوب التي سلكت طريق الحضارة والنهضة وتجاوزت مرحلة التبعية باعتباره المرآة التي تعكس تجارب الأمم ومعاناتها وانتصاراتها وتحولاتها الحضارية، تلك الشعوب التي لم تنفصل عن تاريخها بل اتخذت من انكساراتها وكبوتها منصة لبناء مفهوم جديد يجمع بين تراثها الثقافي وبين التقدم العلمي، وتحول بموجبه عدد من الدول إلى نماذج للنمو والتنمية الحقيقية استثمرت في التقنية والعلوم المعاصرة وابتكرت رؤية تربوية متقدمة أثمرت تنمية صناعية وتقنية وثقافية وضعت هذه الدول في مصاف الدول المتطورة والمتفوقة، ولعبت النخب المتنوعة بها دورًا مميزًا في رسم مشاريع جمعت الجميع في رؤى مشتركة من أجل رفعة أوطانها وتقدمها، وبفضل ذلك انتقلت هذه البلدان من عصور التخلف إلى مراتب مرموقة في سلم التنمية والنهضة، منجزة بذلك السلم الاجتماعي ومحققة أحلام شعوبها وآمالها في السلام والوئام بين مختلف الأجناس والأديان.
هذه الشعوب اعتمدت على نفسها وعلى مفكريها ومثقفيها وعلمائها ورجال مالها وأعمالها الذين لم يغفلوا عن هويتهم الثقافية وساهموا في إرساء بنية متينة تجمع بين التعليم المتقدم واعتماد أنظمة معرفية قوية من التصنيع والتكنولوجيا وتحولت دولهم من مجرد مناطق هامشية إلى مراكز إنتاج وصناعة تنافس العالم في تقنياته ومنجزاته، واستثمروا في الإنسان من خلال التعليم والتكوين ثم في البنية التحتية الاقتصادية والثقافية، وبهذه الطريقة تكوّنت لديهم منظومة تنموية جعلتهم قادرين على المحافظة على هويتهم داخليًا دون الانعزال على العالم الخارجي أو الانغلاق على الذات، وذلك من خلال الاندماج الحذر وليس الانصهار التام، واختارت هذه الدول طريقًا ثالثًا وجديدًا يهتم بالتنمية الاجتماعية والاقتصادية ويجمع بين الهوية والتقدم والاستقلال ولم يركنوا للخلافات بمعزل عن المشروع الوطني، بل اجتمعوا حول رؤى مشتركة لتحديد خيارات استراتيجية طويلة الأمد تُخرج المجتمع من حالة الركود التاريخي وتخلصه من الاغتراب وعقدة النقص.
ورغم اعترافنا بأهمية التاريخ لم نتمكَّن نحن من استثمار الإرث التاريخي في التعبئة الثقافية والفكرية كقاعدة للبناء والانطلاق، بل كثيرًا ما كنا نراه عبئًا ومدعاة للندم، ولم نستلهم تجارب بعض الدول الآسيوية سريعة النمو وغيرها من الدول التي اتبعت نهجًا توافقيًا ذكيًا بين تراثها وهويتها من جهة وبين المعرفة والتكنولوجيا الغربية من جهة أخرى، وحسمت خياراتها الكبرى بتحولها الى نموذج للتنمية والنهضة، وهذا ما يدعونا اليوم إلى التفكير بجدية في اختيار طريق ثالث ومشروع حضاري خاص بنا عبر نمط تنموي شامل ينطلق من جذورنا وثقافتنا ويمنح الشباب أفقًا جديدًا من الاستقلال والكرامة والإبداع، فالطريق الثالث ليس مجرد شعار، بل هو مسار وخيار استراتيجي ونموذج تنمية أصيل يحترم هويتنا ويحررنا من الاغتراب التاريخي، لكنه في نفس الوقت يوظف الخبرة العالمية ويسعى إلى خلق مجتمع أفضل يتبنى الحداثة ولا يفرط في الأصالة، ويعتز بالماضي ولكنه لا يعيش أسيرًا له، ويجعل من التاريخ حليفنا ومصدر قوتنا لا عبئًا علينا، فلتكن رؤيتنا وطنية طموحة وحضارية تنطلق من الأصل وتراعي العصر، وتكون ملائمة لسياقاتنا الفكرية والثقافية والاجتماعية وتمكننا من النهوض من جديد دون خوف أو تردد لتجاوز هذه المرحلة الحساسة من تاريخ شعوبنا وأمتنا بأقل الأضرار والتكاليف، فيكفى ما أهدرناه من وقت وما دفعناه من ثمن!!
