الرئيسيةمقالات الرأي

حكاية التحول الاجتماعي الكبيرهل يصلح العطار ما أفسده النفط؟


بقلم: خالد الزغيبي


قبل سبعة عقود من الآن، كان ذوونا وأهلونا يعيشون في نظام اجتماعي متناغم مع قسوة الصحراء. قبائلنا كانت أشبه بمظلات تقينا غوائل الأيام وصروف الدهر في عالم بلا دولة رعاية اللهم جباة الأعشار والضرائب. كانت العلاقات آنذاك تحكمها قيم (الضوقة) التلقائية، وقيم (دفع العيب) المرتبطة بالشرف والكرم. الفقر كان حاضرًا، وكذلك الكرامة، كانت حاضرة بقوة.
مع انطلاق أولى دفعات النفط أواخر الخمسينيات، بدأ تحول قيمي وجيولوجي في التركيبة الاجتماعية. فالمال الذي تسرب من الأرض، تسرب إلى كل مسام العلاقات التقليدية. هجر الآلاف نجوعهم وتجمعاتهم في البوادي والواحات نحو المدن الساحلية، حاملين معهم قيمًا لم تكن مستعدة لمواجهة إغراء الثروة السائلة.
في بيوت الربيع وبيوت الصيف المنسوجة من جهد أمهاتنا وجداتنا، كان الجار يطعم جاره قبل أن يسأله، وكان الشيخ يشعل النار أمام بيته ليهدي إليه التائهين. وفي الشقق الإسمنتية الجماعية، توالت الأسئلة:
كم راتبك؟ ومن يدفع قيمة الإيجار؟ من يدفع فاتورة الكهرباء؟
تحولت القبيلة من نسيج علاقات إنسانية إلى شبكة مصالح، القرابة لم تعد رابطة دم مقدسة، بل أصبحت غطاء اجتماعيًّا، ووسيلة للوصول إلى وظائف وعقود وامتيازات.
ثم جاء عهد حوربت فيه القبلية شكليًّا، أما موضوعيًّا فقد تم التأسيس عليها لإدارة البلاد. أصبح الشيخ التقليدي الذي كان يحكم بالحكمة والعرف، وسيطًا بين الدولة والقبيلة، يوزع المنافع ويجمع الولاءات. القبيلة تحولت إلى لوبي ضاغط في دولة الريع.
لم يعد السؤال: أنت لمن (ما قبيلتك)؟ مجرد فضول، بل تحول إلى تقييم شخصي، وبحث اجتماعي، كل قبيلة أصبحت (مؤسسة مصلحية) لها طقوسها الخاصة في مساحة الزلفى، أصبحت تقاس مكانتها ورصيدها بقدر نفوذها في دوائر الدولة. الزيارات العائلية تحولت من لقاءات عاطفية تتغشاها المحبة والود، إلى ساحة مجاملات واستثمارات اجتماعية تحسب بدقة برغماتية همها هو تحقيق الفائدة.
ما حدث هو أنه جرى إعادة تشكيل المجتمع. ما كان عيبًا بالأمس أصبح اليوم من أفانين (الفهلوة). الحصول على راتب دون عمل حقيقي أصبح (حظًا) وليس كارثة. الوظيفة المكتبية ولو كانت وهمية، أصبحت مصدر فخر. والعمل اليدوي والإنتاجي صار مصدر خجل. ولدت ثقافة الاستهلاك دون إنتاج، التي تعتمد على أن النفط هو فزعتنا ومغيثنا وعائلنا.
عندما سقطت الدولة، انكشفت أشياء كثيرة، فالقبيلة التي استُخدمت كأداة سيطرة، عادت بقوة لتملأ فراغ الدولة. لكنها عادت في صور مشوهة: ميليشيات مسلحة، تحالفات اقتصادية، صراعات على موارد.
الدماء التي لم تسل إلا دفاعًا عن العرض والشرف في الماضي، سالت حول حقول النفط وفي سوح مواني التصدير، سالت حول مصادر الدخل، وعلى الطرق البينية.
اليوم، وبعد عقد ونصف من الفوضى، بدأت أسئلة عميقة تطرح نفسها:
هل يمكن استعادة القيم التي احتضنتنا ذات دهر دون جلد الذات؟
هل في إمكان العطار أن يصلح ما أفسده النفط؟
هل يمكن تحويل القبيلة من شبكة مصلحة إلى خلية تضامن في دولة مؤسسات؟
هل ثمة إمكانية أن يعود الشباب إلى تعلم الزراعة، وامتهان التجارة، والتصنيع، وحل النزاعات بالحكمة؟
هل ثمة إمكانية للتصالح مع الذات؟
هل ثمة إمكانية أن ننشئ وعيًا بأن الثروة الحقيقية ليست تحت الأرض، بل في قدرة المجتمع على التعاون والإنتاج؟
هل نستفيد من قسوة التجربة؟
هل لنا أن ندرك أن النفط أعطانا المال وأخذ منا الروح؟
ألم يحولنا من منتجين إلى مستهلكين؟
من متضامنين إلى أنانيين؟ من أصحاب كرامة إلى أصحاب حسابات؟
لا شك أن المستقبل يبدأ عندما ندرك أن النفط نعمة فقط إذا استخدم لبناء الإنسان والمؤسسات، ونقمة إذا استخدم لشراء الضمائر وتفكيك الروابط.
القبيلة الليبية لم تمت، لكنها تحتاج إلى تنقية من شوائب الريع، وإلى إعادة اكتشاف دورها كخلية تضامن في جسد وطني واحد وإن تعددت أطيافه. والتحول الحقيقي لن يبدأ بزيادة إنتاج النفط، ولا بقيمة الدخل الخاص والعام، بل بزيادة إنتاج القيم الإنسانية التي جعلت الليبيين شعبًا قويًا قادرًا على الصمود في وجه الصحراء لعصور خلت.
هذه القيم هي النفط الحقيقي الذي لم ينضب بعد، وينتظر منا أن نستخرجه من أعماق تاريخنا المشترك.

زر الذهاب إلى الأعلى