عندما تغدو الأمطار امتحانًا

محمد بوخروبة
في كل عام، ومع أول موجة أمطار غزيرة، يتكرر المشهد ذاته، مدن تتعرض لاختبارات قاسية، وشوارع تغمرها المياه، ومرافق تستيقظ على واقع من الضغط الهائل يفوق قدرتها، وفي كل مرة، يفتح الباب واسعًا أمام الأصوات التي لا ترى في هذه الظواهر الطبيعية إلا فرصة للتشفي، أو بوابة لتسجيل نقاط سياسية، أو مناسبة لإعلان أحكامها القاطعة بأن الخراب متجذر والبناء لم يكتمل.
لكن الحقيقة التي كثيرون يعرفونها ويتجاهلونها أن الطبيعة ليست ساحة للعناد البشري، ولا يمكن لأي مدينة في العالم، مهما بلغت حداثة بنيتها التحتية، أن تصمد دائمًا أمام كميات مهولة من الأمطار تهبط خلال ساعات قليلة كما لو أن السماء فتحت أبوابها دفعة واحدة.
إن اعتراض البعض على غزارة الأمطار لم يعد مجرد تساؤل بريء، بل تحول لدى فئة محددة إلى نبرة شماتة، وكأنهم ينتظرون سقوط قطرة ليبدأوا حفلة التعليقات العابثة والتأويلات المتعسفة. وهؤلاء ينسون أو يتناسون أن مدن العالم المتطورة، من نيويورك إلى باريس ومن لندن إلى طوكيو، غرقت شوارعها في أوقات كثيرة بسبب موجات مطرية غير مسبوقة..
فهل هناك مدينة تملك درعًا سحريًا يصد غضب الطبيعة؟
وهل من العدل أو المنطق أن نحمل القائمين على الإعمار مسؤولية ظاهرة كونية تتجاوز قدرة أي بنية تحتية مهما بلغت حداثتها؟
منذ عامين فقط بدأ الإعمار يأخذ مجراه الحقيقي، والواقع أن أي مشروع حضري ضخم يحتاج سنوات ليكتمل، فلا عصا سحرية قادرة على تحويل مدينة خلال ليلة وضحاها إلى نموذج متكامل لا يعتريه قصور. التنمية عملية تراكمية، تحتاج وقتًا وصبرًا ورؤية، ومع هذا تجد من يطعن فيها قبل أن تكتمل، ويهاجمها قبل أن يظهر أثرها الحقيقي. والأمر لا يرتبط بالمنجز قدر ارتباطه بعقلية البعض الذين يدمنون التقليل من جهود الآخرين، ويسعون إلى تحويل كل إنجاز إلى مادة للتشكيك، فقط لأنهم يحاربون بعين السياسة، لا بعين الحرص على الوطن.
واللافت في هذه الأصوات أنها لا تعلق إلا حين تظهر أزمة، ولا تتحرك إلا حين تصادف ما يوافق هواها، ولا تتحدث إلا بلسان التشفي، فإن هطلت الأمطار بغزارة، قالوا: أين البنية التحتية؟ وإن انطلقت مشاريع الإعمار، قالوا لماذا الآن؟ ولمصلحة من؟ وإن تم الانتظار حتى تكتمل المشروعات، صاحوا لماذا التأخير؟
هؤلاء لا يرضيهم شيء، ليس لأن الواقع سيئ، ولكن لأن داخلهم امتلأ بما هو أسوأ من الواقع، امتلأ بالتحامل.
إن المدن ليست مجرد مبان وطرقات، بل هي كائنات حية تنمو وتتطور وتتعلم من تجاربها، وكل مدينة تواجه لحظات حرجة حين تختبرها الطبيعة في ظروف استثنائية، غير أن الفرق الحقيقي يكمن في طريقة تعامل أهلها معها، هناك من يعض على الجرح ويشد أزر مدينته، وهناك من يقف متفرجًا، يراقب ويتشفى، وكأنه ينتظر لحظة الانهيار ليقول ألم أقل لكم؟
هذا النموذج البشري ليس جديدًا، فكل نجاح له أصوات تعوي من حوله، تطلق نباحها ليس لأنها تملك حقًا، بل لأنها تخشى أن ينجلي الحق فيسقط الوهم الذي تقتات عليه، وكلما زاد الجهد في الإعمار، وكلما ظهرت ملامح البناء، علت أصوات الانتقاص، هذه سنة النجاح، وهذه ضريبة النهضة.
لكن وسط كل هذا التشويش، يجب أن نذكر أنفسنا بأن اللحظة الحرجة، لحظة الأمطار الغزيرة، ليست فرصة لمحاكمة المدينة ولا مناسبة لتهميش الإنجازات، بل هي دعوة إلى التعاون والتكامل والوعي، من يحب مدينته لا يقف فوق تل الحريق ليصفق للشرر، بل ينزل ليساعد في إخماده، من يملك قلبًا حيًا لا يفرح حين يرى الشوارع غارقة، بل يدعو بالسلامة لأهلها، ويتمنى أن تمر الأزمة بأقل ضرر.
إن الدعوة للتشفي ليست سوى امتداد لثقافة سلبية تعمل على تفريغ المجتمع من قيمه، وتغذية النزاعات الصغيرة على حساب المصلحة العامة، أما الدعوة للتضامن فهي امتداد لروح الوطنية الحقيقية، روح الإنسان الذي يفرح لفرح مدينته ويحزن لحزنها.
لقد آن الأوان لننبه هؤلاء الذين يصرون على جلد مدنهم واتهام مسؤوليها جزافًا بأن البناء لا يتم بليلة وضحاها، وأنهم إن كانوا لا يستطيعون المساهمة في الجهد، فليكن أقل الإيمان ألا يعطلوا عزائم الآخرين، فالأوطان تبنى بمن يشد على يد العامل، لا بمن يشمت بانكساره، ومن يريد نقدًا حقيقيًا فليقدمه بلغة إصلاح، لا بلغة شماتة.
إن الأمطار الغزيرة ليست جريمة، والطبيعة ليست خصمًا يمكن محاسبته، والمدن ليست آلات خارقة لا تخضع للضغط، فكفوا عن الشماتة، وارفعوا الدعاء بالسلامة، وكونوا عونًا لأهل مدنكم لا خصومًا لهم.
فالمدينة التي نعيش فيها مرآة لنا، فإن شمتم بها، شمتم بأنفسكم، وإن وقفتم معها، وقفتم مع مستقبلكم ومستقبل أبنائكم.
