ذرائع القوة الغاشمة لاستعمار الشعوب وإعادة الاحتلال!

عبد الله الربيعي
بعد نهاية الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفيتي وانتصار الرأسمالية واستفراد الولايات المتحدة الأمريكية كقطبٍ واحدٍ ومتحكِّمٍ في مصير الأمم والشعوب الصغيرة، رسمت هذه القوة الإمبريالية الخطط لإعادة احتلال وتفكيك الدول التي ناصبتها العداء الرافضة لسياسات الهيمنة والتبعية أو الدول التي كانت لها خطط مناهضة للرأسمالية وتنحو في بلدانها سياسات وطنية مستقلة وبرامج وخطط اشتراكية، كالاتحاد اليوغسلافي والعراق وليبيا وكوبا وكوريا الشمالية وإيران وفنزويلا بعد انتخاب هوغو شافيز في تسعينيات القرن الماضي.
فلقد أطلق الرئيس بوش الابن وصفَ دول محور الشر على بعضها (كوريا الشمالية، إيران، العراق وربما ليبيا لكن لم يُعلن ذلك)، ولتدمير هذه البلدان وإعادة احتلالها وتغيير أنظمتها الوطنية لم يعُزْ أمريكا خلقُ المبررات والذرائع بعد وضع خطط للحصار الاقتصادي والسياسي وسياسات التشويه المتعمدة واستغلال الأزمات الإقليمية. فمثلًا بعد حرب تحرير الكويت عام 1991 فُرِض على العراق حصار جائر وطبقت عليه سياسات عنصرية تجويعية من خلال الأمم المتحدة (النفط مقابل الغذاء) لمدة ثلاث عشرة سنة حتى أنهكَ العراق وشعب العراق. ثم كانت الذريعة لإعلان الحرب وإعادة الاحتلال في 2003؛ الذريعة نزع أسلحة الدمار الشامل، وأن العالم سوف يكون آمنًا ومستقرًا بدون الرئيس صدام حسين، واتضح بعد ذلك كذبُ هذا الدعوى وسقطت ذريعة الاحتلال وتدمير العراق.
وفي 2011، وفي أتون الربيع العربي، وبعد تفجر الأحداث في ليبيا، ولم تمضِ عليها أسبوع أو أسبوعان، ادعوا زورًا وبهتانًا أن القذافي يقتل شعبه! دون تحقيق مستقل أو لجنة تقصٍّ للحقائق. وفي أسابيع، وتحت ذريعة حماية المدنيين من “كتائب القذافي” — القوات المسلحة العربية الليبية — تدخل حلف الناتو وأعلن الحرب الشاملة على ليبيا وقذف ليبيا بأكثر من 26,500 قنبلة وصاروخ لإسقاط النظام وتدمير البنية العسكرية والأمنية وإعادة ليبيا إلى مربع التبعية والتشظي والحرب بين أطراف فبراير نفسها، والأزمة من 2011 إلى اليوم قائمة ولا نهاية لها في الأفق القريب.
ولأن دول الاستكبار والهيمنة والاستعمار لا تكتفي من شن الحروب ومآسي الشعوب وخلق الأزمات، يخرج علينا الرئيس الأمريكي ترامب بذريعةٍ أخرى من أجل تدمير فنزويلا وإسقاط نظامها الوطني والسيطرة على أكبر مخزون للنفط في أمريكا اللاتينية؛ هذه المرة مكافحة تهريب المخدرات التي غزت السوق الأمريكي! لكن الحقيقة، والتي لا تخفى على العقلاء، أن الولايات المتحدة الأمريكية تسوّق المبررات والذرائع لإعادة الاحتلال لنهب الموارد الاقتصادية وفتح أسواق جديدة لتصريف منتجاتها الصناعية ومن أجل التوسع والهيمنة والسيطرة ومواجهة خصومها الدوليين (روسيا والصين). ولقد أعلنت واشنطن أمام العالم إرسالَ سفنها وبوارجها وغواصاتها الحربية إلى البحر الكاريبي لحصار فنزويلا وشن الحرب عليها حين تُجهَّز الظروف لذلك، علمًا بأن فنزويلا تعاني الحصار الاقتصادي والعقوبات والتآمر من طرف أمريكا وحلفائها من 2017.
ومن كل هذه التجارب المريرة لم يبقَ للشعوب الصغيرة غير الاتحاد في حلف يضم الدول المستضعفة -حلف المستضعفين- في مواجهة قوى الهيمنة والاستكبار الدولي.
