المستقبل خارج دائرة الفوضى

بقلم/ أحمد زريبة
إدراك الواقع هو الخطوة الأولى نحو استحقاق الأفضل، فالمستقبل في ليبيا لا يُصنع بالرضوخ للظروف القائمة، بل بإرادة واعية تعيد قراءة المشهد وتجاوز اختلالاته بما يتناسب مع تطلعات الشعب وحقه في دولة مستقلة القرار. فالوضع الليبي الراهن تجاوز إطار الأزمة السياسية ليصبح لحظة مفصلية تتداخل فيها التحديات الداخلية مع تدخلات خارجية باتت تتحكم في كثير من مساراته، مستفيدة من هشاشة المؤسسات وتعدد مراكز القرار. هذه البيئة سمحت للقوى الإقليمية والدولية بالتموضع داخل تفاصيل المشهد الليبي، حتى أصبحت السيادة نفسها موضع اختبار كلما تراجعت وحدة الصف أو ضعف حضور الدولة.
وعمق الأزمة لا يقف عند حدود الانقسام السياسي، بل يمتد إلى الاقتصاد والمجتمع، حيث تدهور مستوى المعيشة وتراجعت الخدمات الأساسية وتفككت شبكات الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. ومع اتساع الفجوة بين الناس وصناع القرار، بات المجتمع يعيش حالة من الترقب المشوب بالإحباط، لكنه في الوقت نفسه بدأ يدرك حجم الخلل ومصادره. فقد ولّد هذا الواقع وعيًا جديدًا لدى الليبيين بأن المشكلة ليست فقط في صراع السلطة، بل في تهديد مسار الدولة ذاته، وأن بقاء الوضع كما هو يعني استمرار الفوضى وفتح الباب لمزيد من التدخل الخارجي.
ورغم قسوة التحديات، فإن التاريخ يقدم أمثلة مضيئة لشعوب استطاعت أن تتجاوز أزمات مشابهة لما تعيشه ليبيا، وتحوّلها إلى نقطة انطلاق نحو المستقبل. فـرواندا، التي خرجت من واحدة من أسوأ المآسي الإنسانية، أعادت بناء نفسها من الصفر عبر مشروع وطني يقوم على المصالحة ومحاربة الفساد وتوحيد القرار السياسي. لقد أدرك الروانديون أن الدولة لا تُبنى بالثأر، بل بالإرادة والنظام، فتحولت بلادهم خلال سنوات إلى نموذج في الاستقرار والتنمية داخل إفريقيا.
وفي البوسنة والهرسك، التي شهدت حربًا مدمرة وتدخلات خارجية مباشرة، اختار الشعب أن يضع حدًا للصراع عبر بناء مؤسسات جديدة وتوزيع عادل للسلطة، مما مكن البلاد من الانتقال تدريجيًا نحو الاستقرار رغم التعقيدات. بينما قدّمت جورجيا مثالًا آخر لدولة واجهت صراعًا داخليًا وضغوطًا خارجية واضحة، لكنها اختارت طريق إصلاح مؤسساتها وتعزيز الشفافية وتطوير اقتصادها، فانتقلت من حالة اضطراب إلى دولة تعمل بثقة على تحسين موقعها الإقليمي. كما استطاعت تشيلي أن تتحول من سنوات الحكم العسكري والاضطرابات إلى نموذج استقرار اقتصادي بفضل تبني رؤية سياسية موحدة وإصلاحات واسعة عززت الثقة بين المجتمع والدولة.
هذه التجارب ليست دروسًا نظرية، بل شواهد حيّة على أن الدول يمكن أن تنهض مهما بلغت حدة أزماتها، وأن الإرادة الشعبية حين تتوحد تُعيد بناء المؤسسات وتفرض احترام السيادة مهما كانت الضغوط. وما نجح في رواندا والبوسنة وجورجيا وتشيلي يمكن أن ينجح في ليبيا إذا قرر الليبيون أن يتجاوزوا الانقسام نحو مشروع وطني جامع يضع الدولة فوق كل سلطة، والمصلحة العامة فوق كل نفوذ خارجي.
إن إدراك الواقع ليس نهاية الطريق، بل بداية النهوض. والليبيون اليوم يمتلكون الوعي والقدرة والحق في اختيار المسار الذي يعيد للدولة دورها ويحمي سيادتها ويمنح الأجيال المقبلة وطنًا ينتمون إليه بثقة لا خوف فيها ولا تردد. ليبيا قادرة على أن تستعيد مكانتها، وأن تتحول من ساحة نفوذ الآخرين إلى دولة صلبة الإرادة، عميقة السيادة، واضحة المستقبل، إذا امتلك شعبها شجاعة اتخاذ القرار الذي يفتح باب النهضة الحقيقية.
