الرئيسيةمقالات الرأي

الإعلاميون بين المهنية ومسؤولية الخطاب


محسن بن طاهر


يشهد الفضاء العام في ليبيا، وخاصة على منصات التواصل الاجتماعي، ظاهرة متنامية تتمثل في انحراف بعض الإعلاميين عن الدور المهني المنوط بهم، واتخاذهم خطابًا قائمًا على الشتم والسب والتجريح. وهذه الظاهرة لم تعد مجرد ممارسات فردية عابرة، بل أصبحت مادة يتداولها الجمهور يوميًا، الأمر الذي يثير القلق حول مستقبل الخطاب الإعلامي وتأثيره على المجتمع.
إن الإعلام، في جوهره، رسالة نبيلة تقوم على نشر الوعي وتقديم الحقيقة للناس بأسلوب مهني ومتزن، وهو مهنة تقوم على المسؤولية قبل أن تقوم على الظهور والشهرة. لذلك ينظر الجمهور إلى الإعلامي باعتباره قدوة في السلوك وأسلوب الحديث، ويراه مصدرًا للمعلومة الموثوقة والتحليل الرصين. وحين ينحدر الخطاب إلى مستوى المهاترات، فإن الضرر لا يمس الإعلامي وحده، بل ينعكس على صورة المهنة بأكملها، ويضعف ثقة المواطن بالمنصات الإعلامية.
لقد أصبح بعض الإعلاميين يظهرون أمام الناس بصورة لا تليق بمهنتهم ولا بالمكانة التي يفترض أن يشغلوها. فبدلًا من تقديم محتوى يعزز الحوار ويثري الوعي، يلجؤون إلى لغة قائمة على الإهانة والازدراء والتشويه، وكأن الاستفزاز صار وسيلة لجلب المشاهدات، لا وسيلة لطرح الرأي أو الدفاع عن القضايا العامة. وهذا السلوك يضع الجمهور أمام مشهد مشوش، ويجعل الخطاب الإعلامي أسيرًا للمواجهات الشخصية بدلًا من القضايا الوطنية المهمة.
الجمهور الليبي، الذي يراقب ويتابع ويحكم، لا ينظر إلى الإعلامي كمجرد شخص يظهر أمام الكاميرا، بل يراه ممثلًا لصوت الشعب وهمومه. لذلك فإن كل كلمة تصدر عن الإعلامي وكل موقف يتبناه، إما أن يعزز الثقة، وإما أن يزرع الشك ويعمق الفجوة بين المؤسسات الإعلامية وبين المتلقي. إن احترام الجمهور ليس خيارًا، بل هو أساس ممارسة العمل الإعلامي، ومن دونه يفقد الإعلام قيمته ويتحول إلى مجرد ضوضاء.
وفي الوقت الذي تمر فيه ليبيا بمرحلة تحتاج إلى خطاب مسؤول يسهم في التهدئة والبناء ونشر الوعي، يظل من المؤسف أن ينحرف البعض إلى مسارات شخصية لا تخدم المصلحة العامة. إن المجتمع بحاجة إلى إعلام واعٍ، يحترم عقل المواطن، ويقدم الحقيقة بلا تهجم ولا تشهير، ويكون قادرًا على ممارسة النقد البناء لا الهدم الشخصي.
ومن هنا، فإن دعوة اليوم موجهة لكل إعلامي ليعيد النظر في أسلوبه وخطابه ومحتواه، وليدرك أن تأثير كلمته يتجاوز لحظة النشر، وأن مسؤوليته أمام الناس أكبر من أي مكسب آني أو مشاهدات زائفة. فالمهنية ليست شعارًا، بل سلوكًا يوميًّا يتجسد في احترام النفس واحترام الجمهور واحترام الوطن.
إن الارتقاء بالإعلام ليس مسؤولية المؤسسات وحدها، بل هو واجب يقع على عاتق كل فرد يتصدر الشأن العام. والكلمة حين تخرج، إما تبني وإما تهدم، وإعلامنا اليوم أحوج ما يكون إلى البناء لا إلى المزيد من التشويه والمهاترات.

زر الذهاب إلى الأعلى