الرئيسيةمقالات الرأي

الانكشاف المعرفي نحو الخارج الجزء الأول: الانكشاف الإعلامي


موسى الأشخم


يعد الانكشاف المعرفي على الخارج من أخطر الإشكاليات التي تواجه الدول النامية، ويحدث ذلك عندما تتدفق المعرفة والمعلومات في اتجاه واحد من الخارج إلى الداخل، ودون مقدرة على إنتاج معرفة محلية فاعلة ومؤثرة. ويخلق هذا النوع من الانكشاف حالة من الهيمنة الثقافية والفكرية تفضي إلى استلاب ثقافي ومعرفي للشعوب تجاه الخارج يؤدي إلى إعادة تشكيل وعيها على نحو يتساوق مع ما يُضخ إليها من معرفة ومعلومات من الخارج، وإن كان ذلك على حساب مصالحها الوطنية والحضارية. ويزيد الانكشاف المعرفي من فرص انقياد الأمة للقوى الأجنبية ذات الماضي الكولنيالي والحاضر الإمبريالي، كما يعزز التبعية السياسية والفكرية والاقتصادية على نحو يضر بالسيادة الوطنية.
وقد يسهم هذا الانكشاف في زعزعة استقرار الدولة وجرّها إلى صراعات سياسية أو أهلية بين التيارات المتمسكة بالهوية الوطنية والحضارية، وتلك المستلبة تجاه الخارج. ويستغل صناع القرار في دول الغرب هذه التناقضات من أجل ضمان تبعية القوى المحلية المتصارعة، عبر خلق صراعات عرقية وطائفية وسياسية تدفع الأطراف المتصارعة إلى طلب رضا تلك القوى الكبرى، طمعًا في الدعم الخارجي أو في نيل الشرعية الدولية المختطفة من قبل القوى الكبرى الغربية. وهو ما يؤدي إلى تحول الدولة المستهدفة إلى دولة فاشلة.
عوامل الانكشاف المعرفي نحو الخارج:

  1. التدفق الإعلامي في اتجاه واحد.
  2. التدفق الإلكتروني في اتجاه واحد.
  3. التدفق التعليمي في اتجاه واحد.
  4. التدفق السلعي في اتجاه واحد.
    أولًا: التدفق الإعلامي في اتجاه واحد:
    على الرغم من امتلاك الدول النامية وسائل اتصال متنوعة كوكالات أنباء وصحف وقنوات فضائية، فإنها لا تمتلك القدرة على صناعة الخبر ولا أدوات التحكم في تدفقه وصياغته. فصناعة الخبر العالمي محتكرة بدرجة كبيرة من قبل المؤسسات الإعلامية الغربية، خاصة تلك الموجودة في دول الترويكا الغربية (أمريكا – بريطانيا – فرنسا)، مع وجود استثناءات محدودة قد لا تتجاوز روسيا والصين. وهو ما يجعل بلدان الجنوب – بما فيها بلادنا – منكشفة إعلاميًا بالكامل أمام السرديات الغربية. فالإعلام في نصف الكرة الجنوبي لا ينتج معرفة بقدر ما يستهلكها ويعيد بثها، ما يمنح الغرب قدرة عملية على توجيه الرأي العام العالمي والمحلي وفق مصالحه. ولعل أبرز مثالين بارزين لهذه السطوة الإعلامية المثالان الأوكراني والفنزويلي، ففي المثال الأوكراني تبنت وسائل الإعلام الغربية سردية تصور بوتين كـ”هتلر العصر”، وروسيا كقوة تهدد ليس أوكرانيا فحسب، بل تهدد أوروبا بكاملها وحتى العالم بأسره. وفرضت على روسيا عقوبات اقتصادية خانقة، وأصدرت “الجنائية الدولية” مذكرة قبض بحق بوتين. وقاطعت الفيفا وكذلك الفرق الرياضية في العالم الرياضيين الروس، ومُنع الفنانون الروس من المشاركة في المهرجانات والحفلات الفنية الدولية، وصار المسافر تحت وقع تلك الصياغات الإخبارية المتدفقة من الغرب والمشيطنة للروس يهرب بجلده أو يخاف لو قيل له إن الذي يجلس بجانبه أو يسير بجواره روسيًّا، وقد يغير كرسيه أو حتى رحلته ليتفادى رفقة نازي روسي خطير.
    غير أنه بعد وصول ترامب للسلطة، انعكست الرواية الإعلامية تمامًا: فصار الديمقراطيون هم المتهمون بإشعال الحرب وتحول بوتين إلى زعيم تُفرش له السجادة الحمراء في ألاسكا. هذا الانقلاب المفاجئ في الموقف من روسيا يكشف كيف تتقلب السرديات الإعلامية الغربية وفق تغير المصالح السياسية في واشنطن، لا وفقًا للحقيقة.
    وفي المثال الفنزويلي تحوّل الرئيس المنتخب نيكولاس مادورو في الإعلام الغربي إلى “زعيم عصابة مخدرات”، وصارت القوارب الفنزويلية وسائل لنقل المخدرات. والسفن الحربية الأمريكية أدوات لمكافحة المخدرات. ولو تغيرت الإدارة الأمريكية لانقلبت السردية الإعلامية بالكامل كما حدث في الحالة الأوكرانية. نخلص من ذلك إلى أن هذا التدفق الإعلامي من جانب واحد في منتهى الخطورة على عقول أبناء دول الجنوب، حيث يمكن لأي حملة إعلامية مضللة أن تدفع الشعوب إلى مواقف تضر بمصالحها الوطنية، أو حتى تحفّزها على تدمير بلدانها بأيديها، كما حدث في موجات “الثورات الملونة” وموجة “الربيع العربي”، التي لعب الإعلام الغربي والإعلام الوطني الذي يدور في فلكه دورًا مركزيًّا في تشكيلها وتحريكها.
    ثانيًا: التدفق الإلكتروني في اتجاه واحد:
    على الرغم من أن التدفق الإلكتروني يُعد جزءًا من التدفق الإعلامي، فإنه لأهميته ولقوة تأثير وسائل التواصل الاجتماعي ارتأينا أن نفرد له فقرة مستقلة. فقد أصبحت هذه الوسائل – المسيطر عليها أمريكيًا وغربيًا – منصة لصناعة الرأي العام المحلي والدولي، وأداة فعالة في تحريك التظاهرات والحشود وتوجيه الجماهير على نحو يصنع حروبًا أهلية وطائفية، ويحول الدول المستهدفة إلى دول فاشلة. وهو ما كشفت عنه تصريحات الأكاديمي الأمريكي جيفري ساكس الذي كشف مؤخرًا عن أن أحداث الربيع العربي لم تكن حراكًا عفويًا خالصًا، بل جزءا من عملية استخبارية واسعة تُعرف باسم “تيمبر سيكامور”، هدفت إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة وإشعال الحروب الأهلية والطائفية بها، وإلى تحويل الدول العربية إلى كيانات فاشلة يسهل التحكم بها.
    وبسبب هذا التحكم الغربي الكامل في وسائل التواصل الاجتماعي تصبح الدول النامية عمومًا والدول العربية والإسلامية خصوصًا عرضة لانكشاف إلكتروني خطير يمكن استخدامه للتجسس، وللضغط السياسي، وللسيطرة النفسية على الأمم والشعوب الضعيفة.
    أخيرًا، إن استعادة السيادة الوطنية الكاملة تتطلب بناء قدرات إعلامية، وتكنولوجية، وتعليمية، تقلل من التبعية المعرفية والإعلامية للغرب، وتمنح الدولة قدرة أكبر على صناعة شبكة إنترنت ووسائل تواصل اجتماعي وطنية أو إقليمية بعيدة عن التوظيف الإمبريالي الغربي من أجل حماية وعي مواطنيها من التلاعب الخارجي.
    في الجزء الثاني سنتناول في العدد القادم عاملَي الانكشاف على الخارج المتبقيين: التعليمي والسلعي.
زر الذهاب إلى الأعلى