مقالات الرأي

الحقيقة تطارد جلادها

عفاف الفرجاني


في ليبيا التي تحكمها سلطات الأمر الواقع، لا دولة ولا مؤسسات، بل نفوذ سلاح يقرر من يُحاكم ومن يُعفى، تتصدر قضية خالد الهيشري المشهد باعتبارها شاهدًا على مرحلة صنعتها الميليشيات وتوارى فيها القانون تمامًا. فالاسم الذي جرى تقديمه يومًا كرمز لفبراير تحول، بشهادات الضحايا وملفات الناجين، إلى واحد من الوجوه التي ارتبطت بالتعذيب داخل سجن معيتيقة، السجن الذي أدير بمنطق القوة، بلا رقابة وبلا محاسبة، وكأنه كيان مستقل عن ليبيا.
عائلات الضحايا لم تذهب إلى المحكمة الجنائية الدولية لأنها تحب الخارج، بل لأنها لم تجد في الداخل مكانًا تنصف فيه أبناءها. قدموا شهادات، تقارير طبية، أدلة دامغة، لكن أبواب العدالة المحلية ظلت مغلقة، ليس لأن القضاة عاجزون، بل لأن اليد التي تحمل السلاح أقوى من أي توقيع قضائي. ولذلك، فإن لجوءهم إلى القضاء الدولي لم يكن خيارًا سياسيًّا، بل ضرورة فرضتها بيئة لا تحمي المظلوم ولا تردع الجلاد.
ولا يمكن فصل هذه القضية عن ملف ذات السجن (الردع) التي تشكل الوجه الآخر لنفس المنظومة القمعية. فالتعذيب داخل تلك المعتقلات لم يكن مجرد تجاوز فردي، بل ممارسة يومية منهجية تستهدف الاعتراف بالقوة، وكسر إرادة المحتجز، وفرض سطوة المجموعة المسلحة باعتبارها المرجعية الوحيدة. عشرات القصص خرجت من زنازين الردع؛ ضرب، صعق كهربائي، تعليق لساعات، حرمان من النوم، تهديد بالقتل، إخفاء قسري يمتد لأشهر. واللافت أن الضحايا قدموا نفس النوع من الأدلة التي قدمها أهالي المفقودين في معيتيقة: شهادات، صور، تقارير طبية تؤكد أثر التعذيب على أجساد المعتقلين.
وليس بعيدًا عن الهيشري، قضية نجيم، الذي صدرت بحقه مذكرات طلب دولية لنفس الخلفية: تعذيب ممنهج داخل السجون غير الرسمية. الملفان يكشفان نمطًا واحدًا: وجود سلطة موازية لا تخضع لأي قانون، تعتمد على السلاح، وعلى شبكة نفوذ توسعت لسنوات حتى ظن القائمون عليها أنهم محصنون من المساءلة. لكن الوقائع التي خرجت من (سجون الردع) سجون معيتيقة أثبتت أن ذلك الزمن انتهى، وأن الملفات التي طمروها تحت الخوف بدأت تظهر تباعا أمام العالم.
أهمية قضية الهيشري ليست في شخصه فقط، بل في كونها السطر الأول في رواية أكبر، رواية تعري المرحلة التي أعقبت فبراير، حيث تحولت ليبيا إلى جزر متفرقة تديرها مجموعات مسلحة بعيدًا عن أي مفهوم للعدالة. فالمحاكمة الدولية هنا ليست انتصارًا للخارج، بل وثيقة تثبت أن ما جرى داخل السجون كان ممنهجا، وكان جريمة كاملة المعالم، وأن الميليشيات التي سيطرت على رقاب الليبيين لم تكن سوى سلطة ظل وسلطة قمع.
الأجيال القادمة ستقرأ هذه الحقبة بوصفها زمنًا جرى فيه تحويل الليبي إلى رقم داخل زنزانة، وزمنًا صمت فيه الجميع عن التعذيب حتى خرجت الحقائق من فم من عاشوه. ولن يطول الوقت حتى تصبح هذه القضايا مرجعًا يوثق مرحلة ساد فيها القهر، وغاب فيها الإنصاف، وانتصر السلاح على الإنسان.
هذه ليست نهاية العقاب، بل بدايته؛ وبداية انكشاف مرحلة سوداء طال إخفاؤها، وستبقى شهادات الضحايا أقوى من كل محاولات التلميع.

زر الذهاب إلى الأعلى