مقالات الرأي

سقوط الإخوان المسلمين في الذاكرة الدولية


بقلم: عبد الله ميلاد المقري


تشهد الساحة الدولية تحوُّلًا سياسيًّا لافتًا قد يعيد رسم نظرة العالم إلى تنظيم الإخوان المسلمين بعد عقود من التغطية والدعم السياسي اللذين منحتهما له بعض الدول الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية. واليوم، تبدو واشنطن -وفق تصريحات دونالد ترامب المتكررة- على مشارف خطوة تاريخية بتصنيف التنظيم كجماعة إرهابية، وهي خطوة لو اتُّخذت فعليًّا فستُمثِّل إعلانًا رسميًّا بانتهاء مرحلة كاملة احتضنت فيها الإدارات الأمريكية هذا التنظيم واستخدمته كورقة نفوذ في الشرق الأوسط.
لقد وُلد التنظيم سياسيًّا في أحضان بريطانيا، ثم وجد في الإدارات الأمريكية المتعاقبة، خاصة إدارة باراك أوباما، حاضنة سياسية وأمنية واسعة. وقد وصلت الأمور إلى حد أن استغلَّت وزيرة الخارجية -آنذاك- هيلاري كلينتون كل الأدوات العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية لدفع التنظيم إلى حكم مصر في انتخابات لم تكن نتائجها لصالحه، إلا أن الإرادة الأمريكية -آنذاك- كانت تسير بهذا الاتجاه. غير أن توجُّه الولايات المتحدة اليوم لتصحيح ذاكرتها السياسية لم يكن ليحدث لولا الضغط الشعبي والإعلامي داخل أمريكا نفسها، بعد تراكم الجرائم والانتهاكات التي ارتكبتها فروع الإخوان في الساحات العربية. كما لا يمكن تجاهل الدور المصري في ضرب هذا التنظيم وفضح شبكاته، وهو ما أسهم في تراجعه الحاد في تركيا، وانحساره الكبير في الخليج، وانكشاف بنيته الحقيقية القائمة على العنف والابتزاز السياسي.
واللافت في هذا المشهد هو الصمت المطبق الذي يلتزمه التنظيم على جناحه في تونس، بعد سقوط حركة النهضة وقياداتها في السجون. ولم يكن ذلك بسبب جرائم إرهابية مباشرة، بل نتيجة عبثٍ واسع بالمال العام طيلة أكثر من عشر سنوات من الإدارة الفاشلة التي أدخلت تونس في اختناق اقتصادي وسياسي، بالتوازي مع دور تخريبي خطير في الشأن الليبي ومحاولات مستمرة للهيمنة على المسار السياسي.
ورغم أنّ بعض الدول سبقت الولايات المتحدة في حسم موقفها من هذا التنظيم، فإن اللحظة تبدو اليوم مناسبة لقول الحقيقة بوضوح: تنظيم الإخوان لم يكن مشروعًا دينيًّا أو إصلاحيًّا، بل مشروعًا سياسيًّا يقوم على اختراق الدول، وتقويض مؤسساتها، وصناعة الفوضى حيثما حلَّ. وإذا مضت الولايات المتحدة نحو تصنيف الجماعة كتنظيم إرهابي، فإن ذلك سيُحدث تحوُّلًا استراتيجيًّا يعيد ترتيب المواقف الدولية تجاه الحركات الإيديولوجية المتطرفة، ويمنح الدول العربية فرصة إضافية للتعافي من خمسة عقود من التخريب السياسي والفوضى الممنهجة.
إن اللحظة الراهنة تشير إلى أن العالم بدأ يدرك -لأول مرة ربما- الحقيقة الكاملة لهذا التنظيم الذي أتقن ارتداء جلودٍ لا تشبهه. وحان الوقت أخيرًا لأن تُرمى تلك الجلود في “القمامة” كما تقول الحكمة العربية.

زر الذهاب إلى الأعلى